كان هناك زمن ينظر فيه إلى التعاطف والرحمة ليس باعتبارهما فضائل شخصية فقط، بل كضرورات حضارية. فقد كانا متأصلين في التقاليد الدينية، والأخلاق الفلسفية، والسلوك الدبلوماسي، والعقود الاجتماعية. وقد أثرا في القانون الإنساني، وألهما التعاون متعدد الأطراف، وحفزا النضالات من أجل العدالة والتحرر.
أما اليوم، فيبدو أن التعاطف والرحمة ينظر إليهما بشكل متزايد على أنهما نقاط ضعف في عالم مفتون بالسلطة، والمصالح، والاستعراض، والقبلية.
إن التعاطف والرحمة لا يختفيان لأن الإنسانية أصبحت فجأة قاسية بطبيعتها، بل يتآكلان بشكل منهجي بفعل الأنظمة السياسية والاقتصادية، والبيئات الإعلامية، والأنظمة الأيديولوجية التي تكافئ الانفصال والتنافس والخوف على حساب العلاقات والكرامة والرعاية.
كتبت الراحلة بيل هوكس: إن الهيمنة تتطلب الانفصال العاطفي. وحذرت حنة أرندت من "ابتذال الشر"، ليس باعتباره سادية وحشية، بل باعتباره تطبيعا للامبالاة الأخلاقية داخل الأنظمة البيروقراطية.
جادل زيغمونت باومان بالمثل بأن الحداثة تسهل العنف تحديدا؛ لأنها تبعد الجناة عن إنسانية الضحايا. واليوم، دفعت الحداثة الرقمية بهذا التباعد إلى الذروة. فنحن لا نعايش المعاناة من خلال العلاقات، بل من خلال الشاشات؛ لا من خلال الالتزام الأخلاقي، بل من خلال نظرة عابرة.
ولا تقتصر النتيجة على الإرهاق العاطفي فحسب، بل هي انهيار تدريجي لخيالنا الأخلاقي الجماعي.
💬 التعليقات (0)