في ورقته البحثية "اقتصاد الحرب: دراسة ميدانية عن منافذ الجباية الجمركية في مناطق سيطرة الحوثيين"، الصادرة عن مركز المخا للدراسات الإستراتيجية، لا يقدّم الباحث محمد الجماعي صورة لنقاط تفتيش متناثرة فرضتها الحرب بصورة عشوائية، بل يصف عملية بناء منظومة مالية كاملة داخل مناطق سيطرة الحوثيين، تحولت تدريجيًّا من جبايات ميدانية مؤقتة إلى جهاز جمركي موازٍ للدولة اليمنية نفسها.
فالدراسة تنطلق من فكرة أن الحرب في اليمن لم تُنتج فقط انقسامًا عسكريًّا وسياسيًّا، بل أعادت تشكيل بنية الاقتصاد والسيادة والإدارة العامة. ومع انهيار مؤسسات الدولة بعد انقلاب 21 سبتمبر/أيلول 2014، ظهرت منظومة حوثية للجباية والرسوم الداخلية، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تتحول إلى أحد الأعمدة الرئيسية لاقتصاد الحرب، وأن تمنح الجماعة قدرة على التحكم في حركة التجارة والموارد والولاءات داخل مناطق سيطرتها.
يرصد الباحث كيف تطور المشروع الحوثي تدريجيًّا. ففي السنوات الأولى للحرب كانت الجبايات تُفرض عبر نقاط عسكرية متناثرة على الطرق بين صنعاء وتعز وإب وذمار، تحت ذرائع أمنية أو ميدانية مرتبطة بالحرب. لكن ابتداءً من عام 2017 بدأ الانتقال من الجباية العشوائية إلى بناء منظومة أكثر انتظامًا ومأسسة.
جرى تثبيت محطات جمارك داخلية في مواقع محددة مثل ذمار والراهدة وعفار، مع إصدار إيصالات رسمية وربط جزء من الحصيلة بجهاز مالي مركزي في صنعاء. والأهم، كما تشير الدراسة، أن الحوثيين أعادوا استيعاب موظفين سابقين من الجهاز الجمركي اليمني داخل المنظومة الجديدة، بما منحها طابعًا إداريًّا أقرب إلى مؤسسات الدولة، حتى وإن كانت تعمل خارج الإطار القانوني الرسمي.
وبحلول 2023-2024 لم تعد المسألة مجرد رسوم على الشاحنات، بل شبكة متكاملة تضم أكثر من 25 محطة رئيسية ونحو 150 نقطة فرعية موزعة على الطرق التجارية بين الموانئ والمراكز الحضرية في شمال اليمن. وكانت كل محطة تضم وحدات مالية وإدارية وأمنية تعمل معًا ضمن هيكل هجين يجمع بين البيروقراطية والسلطة العسكرية.
أخطر ما تكشفه الدراسة أن الحوثيين لم يكتفوا بالسيطرة على الجغرافيا، بل أعادوا رسم الجغرافيا الاقتصادية نفسها. فالبضائع التي تدخل اليمن عبر الموانئ الرسمية الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًّا لا تكتفي بدفع الرسوم الجمركية مرة واحدة، بل تُعاد جبايتها عند مرورها عبر نقاط الحوثيين الداخلية.
💬 التعليقات (0)