حين يذكر اسم الأسرى في الوجدان الفلسطيني، لا يستحضر رقم في بيان أو خبر عابر في نشرة. تستحضر وجوه وأعمار معلقة، وأمهات ينتظرن عند أبواب السجون، وأجساد أنهكها القيد، وأسماء تحولت إلى جزء من الذاكرة الوطنية. لهذا فإن قضية أسرى فلسطين ليست ملفًا حقوقيًا منفصلًا عن بقية المشهد، بل هي أحد أكثر وجوه الصراع مع الاحتلال كثافة ووضوحًا، لأنها تكشف طبيعة المنظومة التي لا تكتفي بمصادرة الأرض، بل تسعى أيضًا إلى كسر الإنسان وإخضاع وعيه وإرادته.
منذ بدايات الاحتلال، استخدمت سلطات الاحتلال الاعتقال الإسرائيلي بوصفه أداة حكم وسيطرة، لا مجرد إجراء أمني كما تدعي. الاعتقال هنا ليس استثناء، بل سياسة ممنهجة تطال مختلف فئات المجتمع الفلسطيني – رجالًا ونساءً، شبانًا وقاصرين، طلبة وصحفيين ونوابًا وأسرى محررين أعيد اعتقالهم مرارًا. هذا الاتساع في دائرة الاستهداف يوضح أن المقصود يتجاوز ملاحقة أفراد بعينهم إلى محاولة تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية.
لهذا تبدو السجون جزءًا من المشهد الاستعماري نفسه. فكما تُدار الحواجز والجدران والاقتحامات اليومية لضبط حياة الفلسطينيين، تُدار السجون لضبط الوعي الجمعي عبر العقاب والردع والإذلال. وفي كل مرة يُعتقل فيها شاب من مخيم أو بلدة أو مدينة، لا يكون المستهدف هو جسده وحده، بل محيطه كله – عائلته، جامعته، مكان عمله، وحيه، وشبكة العلاقات التي ينتمي إليها.
ووفق آخر الإحصاءات، تعتقل قوات الاحتلال 9400 فلسطيني في 23 سجنا، من بين المعتقلين 87 أسيرة، و360 طفلا، وو3376 معتقلا إداريا ومئات المرضى.
الاحتلال يعتمد منظومة متعددة الأدوات لإدامة هذا الملف مفتوحًا. هناك المداهمات الليلية التي تبث الرعب في البيوت، والتحقيق القاسي الذي يمتد أيامًا وأسابيع، والاعتقال الإداري الذي يسلب الإنسان حريته بلا تهمة واضحة ولا محاكمة عادلة. ثم تأتي إجراءات النقل والعزل والمنع من الزيارة والإهمال الطبي لتصنع من السجن مساحة استنزاف مستمر.
الاعتقال الإداري تحديدًا يمثل جوهر هذا التعسف. فحين يُحتجز الأسير بناء على “ملف سري” لا يراه هو ولا محاميه، تصبح العدالة مجرد ستار شكلي. هذه الأداة ليست جديدة، لكنها اتسعت وصارت تستخدم بوقاحة أكبر كلما أراد الاحتلال تجاوز حتى معاييره القانونية الخاصة. وفي هذا المعنى، لا يمكن التعامل مع الاعتقال الإداري بوصفه خللًا قانونيًا فقط، بل باعتباره ترجمة مباشرة لمنطق القوة العارية.
التعليقات (0)