بقلم: خليفة بن سيف الحوسني
حين تفتتح الكاتبة العُمانية شريفة التوبي روايتها "بيت العنكبوت" (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2026) بإهداء موجّه إلى "كل الأسماء المقيّدة بتاء التأنيث، والأسماء التي فلتت من هذا القيد"، فإنها لا تبدأ رواية بالمعنى التقليدي الذي اعتادت عليه الذائقة السردية العربية، بل تفتتح بيانًا وجوديًا، يكاد يكون إعلان تمرّدٍ مؤجل، أو اعترافًا متأخرًا بأن الاسم نفسه قبل الجسد وقبل المصير، قد يكون قيدًا أول، وسجنًا رمزيًا تختزل فيه المرأة قبل أن تبدأ رحلتها مع العالم، ومنذ هذه العتبة الأولى، يجد القارئ نفسه إزاء نصّ لا يريد أن يقرأ بوصفه حكاية فردية، وإنما بوصفه شهادة جمعية، أو ما يمكن تسميته بـالسيرة المتعددة بصوت مفرد.
إن أكثر ما يلفت في هذا العمل منذ سطوره الأولى هو ذلك التوتر الخلّاق بين الصمت والبوح؛ بين امرأة قضت "سبعة آلاف وثلاثمئة وخمس ليالٍ" في الصمت، ثم قررت فجأة أن تحكي. وليس اختيار هذا الرقم اعتباطيًا؛ فهو استدعاء ذكي ومؤلم معًا لأسطورة شهرزاد، لكن على نحو معكوس، فشهرزاد حكت كي تؤجّل الموت، أما بطلة بيت العنكبوت فقد صمتت طويلًا حتى كادت تموت، ثم قررت أن تحكي كي تبدأ الحياة.
في هذه المفارقة تحديدًا، تنجح شريفة التوبي في نقل الحكي من كونه فعل تسلية أو بناء جمالي، إلى كونه فعل خلاص، الكتابة هنا ليست ترفًا، ولا مشروعًا أدبيًا بالمعنى المؤسسي، بل فعل نجاة متأخر، تقول الساردة: "وما كنت أظن يومًا أني سأكتب، وأني سأقترف هذا الإثم العظيم"، هذه الجملة وحدها تختزل البنية النفسية والثقافية التي تتحرك داخلها الرواية كلها، فالكتابة ليست مجرد قرار، بل إثم؛ لأنها كسر لصمت اجتماعي موروث، وخيانة لقانون غير مكتوب يفرض على النساء أن يحملن أوجاعهن في الخفاء، وأن يسترن "عار أزواجهن كما يسترن عوراتهن".
هنا تشتغل الرواية على مستوى يتجاوز الحكاية الشخصية؛ إنها تفكك ما يمكن تسميته بـالنسق الثقافي للستر القاتل، فالساردة لا تتحدث عن مأساة فردية، بل عن بنية اجتماعية كاملة، تجعل من الزواج فضيلة، حتى لو كان خرابًا، وتجعل من الطلاق وصمة أشد فزعًا من الموت نفسه: "إن أكثر ما نخشاه نحن النساء في الحياة شيئان: الموت والطلاق، ولعل خشيتنا من الطلاق تفوق خشيتنا من الموت".
هذا ليس مجرد وصف اجتماعي؛ إنه كشف عن منظومة رمزية تقاس فيها كرامة المرأة بقدرتها على البقاء داخل مؤسسة قد تكون قد التهمت روحها بالفعل، هنا تبلغ الرواية مستوى نقديًا رفيعًا، لأنها لا تصرخ، ولا تتهم، ولا تستجدي التعاطف؛ بل تعرض الخراب ببرود مؤلم، وتترك القارئ يكتشف حجم الكارثة وحده.
💬 التعليقات (0)