غزة لا تعيش اليوم “هدنة متعثرة” بالمعنى التقليدي، بل تعيش مرحلة أكثر قسوة وتعقيدًا: مرحلة تُدار فيها الحرب بلا إعلان حرب، ويُدار فيها التفاوض تحت النار، ويُدار فيها الإنسان الفلسطيني بين خطوط عسكرية، وخرائط مقيدة، ومساعدات مشروطة، وضغط يومي لا يتوقف.
في غزة، لم يعد الناس يلتفتون كثيرًا لبيانات "وقف إطلاق النار"؛ فالناس هنا طوّروا حاسة سادسة تفهم لغة الأرض لا لغة الطاولات في عواصم الوسطاء. منذ ذلك الاتفاق الهش في أكتوبر 2025، لم يتوقف الموت، بل غيّر طريقته فقط. نامت الطائرات قليلًا بعد حرب ابادة كبرى، لكن رصاص وصواريخ الاغتيالات، وقذائف الممرات المستحدثة، وأزيز "الزنانات" لم يغادر سماء القطاع.
توقفت بعض العناوين الكبيرة للموت، لكن النار بقيت تحت الرماد. ثم بدأت الخروقات، ثم عادت الاغتيالات، ثم توسعت العمليات الخاصة، ثم دخلت غزة في ما يشبه “الحرب منخفضة الكثافة”: لا اجتياح شاملًا يعلن بداية حرب جديدة، ولا تهدئة حقيقية تسمح للناس بالتقاط أنفاسهم. حين تفتح الخريطة اليوم، لن تجد غزة التي تعرفها. الأمر لم يعد مجرد احتلال لعمق جيو-سياسي، بل "هندسة جغرافية وسكانية" خبيثة، الخط الأصفر: الذي بدأ كخط انسحاب أو عزل، تمدد تدريجيًا ليقضم المساحات.
الخط البرتقالي: هذا المحتل الجديد الذي كشفت عنه التقارير الدولية، أضاف 11% من مساحة غزة إلى المناطق المقيدة عسكريًا، والنتيجة: نحو ثلثي مساحة قطاع غزة باتت فعليًا تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية أو في دائرة التقييد الأمني المباشر! ما يتبقى للناس ليس سوى شريط ساحلي مكتظ وجيوب معزولة، يُراد للفلسطيني فيها أن ينشغل بلقمة عيشه وخيمته عن أي تفكير في السياسة أو المقاومة.
الخلاف الجوهري في كواليس المفاوضات واضح: الاحتلال يريد نزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها الإدارية والشرطية قبل أي إعمار، والمقاومة ترفض فصل هذا الملف عن تنفيذ استحقاقات المرحلة الاولى والانسحاب والضمانات السياسية.
وأمام هذا الاستعصاء، يلوّح الاحتلال بـ "الخطة ب"، وهي الأخطر: بدلًا من البحث عن جهة فلسطينية تقبل بشروطه، يتجه الاحتلال إلى "تسييس المساعدات الإنسانية". محاولة خلق بؤر إدارة محلية معزولة خلف الخط الاصفر الزاحف، تُدار تحت عناوين براقة مثل "حماية المساعدات" أو "المناطق الإنسانية الآمنة". الهدف؟ تقسيم غزة وحصرها في "حالة إغاثية" بلا حلول.
💬 التعليقات (0)