تتميز العقارب ببنية جسدية تجمع خصائص تبدو وكأنها مستعارة من كائنات متعددة، فهي تمتلك 8 أرجل كالعناكب، وزوجا من المخالب القابضة الشبيهة بمخالب الكركند، وذيلا ينتهي بلسعة سامة مقوسة لا تشبه ما لدى معظم الكائنات الأخرى، لكن داخل هذه الأسلحة يكمن جانب آخر أكثر تعقيدا، إذ تُدعم بعناصر معدنية يحمل كل منها بصمة كيميائية مميزة.
وكان العلماء يعلمون مسبقا أن الهياكل الخارجية للعقارب غنية بمعادن تؤدي دورا مشابها لدور قضبان التسليح في الخرسانة، حيث تمنح أذرعها اللاسعة ومخالبها الحادة -التي تتعرض باستمرار لقوى اصطدام وضغط كبيرة أثناء الإمساك بالفريسة أو طعنها- درجة أعلى من الصلابة البنيوية ومقاومة التآكل دون الحاجة إلى زيادة الكتلة، كما يحدث في عمليات التكلس الشائعة لدى بعض مفصليات الأرجل المائية، وفقا لعالم الأحياء وطالب الدكتوراه في جامعة كوينزلاند بأستراليا، سام كامبل.
ويضيف كامبل في حديثه للجزيرة نت أنه "من خلال إدماج عناصر معدنية مثل الزنك والمنغنيز والحديد في أسلحتها، تتمكن العقارب من تكوين أطراف أكثر حدة ومتانة في اللسعات والمخالب، ما يساعدها على اختراق الهياكل الصلبة لفرائسها ومقاومة الانكسار أثناء الضربات الدفاعية الشديدة، خاصة أن الأنواع البالغة لا تستطيع تعويض الأجزاء المفقودة من أجسامها".
ورغم أن العقارب تطبق هذا النظام الطبيعي منذ أكثر من 400 مليون عام، إلا أن مصدر هذه المعادن لا يزال غير محسوم علميا، نظرا لتعقيد العمليات التي تشمل اكتسابها من البيئة أو الغذاء، ثم نقلها داخليا وتوزيعها بدقة. كما ظلت الأسئلة العلمية مفتوحة حول كيفية توزيعها داخل أسلحتها الفتاكة، واختلاف تراكيزها بين الأنواع المختلفة، خاصة مع وجود آلاف الأنواع حول العالم، ودراسة عدد محدود منها فقط من حيث تركيبتها المعدنية.
ولأول مرة، كشفت دراسة جديدة نُشرت مؤخرا في دورية رويال سوسيتي إنترفيس (Royal Society Interface)، طريقة تنظيم ودمج هذه المعادن داخل أكثر الأسلحة الطبيعية رهبة في المملكة الحيوانية، وترسم خريطة شاملة للاختلافات الكيميائية عبر نطاق واسع من أنواع العقارب، ما يتيح للعلماء فهم كيفية تغير الخصائص الميكانيكية لأسلحتها تبعا لأساليب الصيد والدفاع.
لفهم البنية التشريحية لهذه العنكبيات القاتلة بصورة أعمق، أمضى كامبل وفريقه من مؤسسة سميثسونيان التعليمية والبحثية في واشنطن 3 أشهر في العمل داخل المخازن الخلفية للمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي التابع للمؤسسة، حيث احتُفظ بآلاف العقارب القديمة التي جمعها باحثون ميدانيون من مختلف أنحاء العالم على مدار القرن الماضي.
💬 التعليقات (0)