لم تعد الحملة الإسرائيلية ضد المؤسسات الحقوقية المستقلة مجرد رد فعل إعلامي عابر على تقرير أو شهادة أو تحقيق صحفي، بل تحولت إلى سياسة متكاملة تستهدف كل من يقترب من الحقيقة ويوثق الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، لا سيما في قطاع غزة وداخل مراكز الاحتجاز والسجون الإسرائيلية.
وما يتعرض له المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم، وما أتعرض له شخصيًا، لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع؛ سياق الحرب المنظمة على التوثيق، وعلى كل جهد مهني مستقل يحاول نقل الحقيقة إلى العالم.
التهرب بضرب مصداقية الموثق
إسرائيل تدرك جيدًا أن التقارير الحقوقية المستقلة لم تعد مجرد بيانات إعلامية عابرة، بل أصبحت جزءًا من بنية الوعي الدولي والمساءلة القانونية، ومصدرًا أساسيًا للصحافة والآليات الأممية والهيئات القضائية الدولية.
لذلك لا تكتفي بمحاولة إنكار الوقائع، بل تستهدف الجهة التي توثقها؛ لأن ضرب مصداقية الموثّق، في الحساب الإسرائيلي، هو الطريق الأسرع للتهرب من مواجهة الجريمة نفسها، وإعادة تقديم إسرائيل كضحية لحملة مزعومة بدل التعامل معها كدولة متورطة بانتهاكات خطيرة ومطالبة بفتح سجلاتها ومراكز احتجازها للتحقيق المستقل. وقد استهدفت إسرائيل، في إطار نقل المعركة من الجريمة إلى من يكشفها، مؤسسات حقوقية وإنسانية فلسطينية ودولية، وآليات أممية، وضيّقت على عملها، ورفضت تجديد تسجيل عشرات المنظمات الدولية لعدم رضوخها لشروطها غير القانونية.
كما حرّضت على الصحفيين وقتلت العشرات منهم في غزة، وهددت آخرين، واتبعت النهج ذاته ضد المدافعين عن حقوق الإنسان. كل ذلك عبارة عن سياسة ممنهجة هدفها رفع كلفة التوثيق، وترهيب كل من يكشف الوقائع أو ينقلها أو يطالب بالتحقيق فيها.
التعليقات (0)