واشنطن – سعيد عريقات – 18/5/2026
في تطور يكشف تحولات عميقة داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، أظهر تقرير المفتش العام في وزارة الدفاع أن البنتاغون لم يكتفِ بإضعاف برنامج الحد من الخسائر المدنية في الحروب، بل قام فعليا بتفكيك جزء كبير من البنية المؤسسية التي أُنشئت بعد عقود من الانتقادات الدولية للعمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط وآسيا. التقرير لا يسلط الضوء فقط على فشل إداري أو تقليص بيروقراطي، بل يعكس تحولا سياسيا واستراتيجيا في نظرة واشنطن إلى الحرب، والقانون الدولي، وحدود استخدام القوة.
البرنامج الذي أُسس عام 2022 بقرار من وزير الدفاع السابق لويد أوستن، جاء نتيجة ضغوط هائلة تراكمت بعد سنوات من الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن، حيث وثقت منظمات حقوقية سقوط عشرات آلاف المدنيين نتيجة الغارات الجوية والطائرات المسيّرة. وكان الهدف من البرنامج إنشاء منظومة دائمة داخل البنتاغون لمراجعة الضربات، وتحليل الأخطاء، وتطوير آليات تقلل من قتل المدنيين، بما يحافظ – على الأقل شكليا – على صورة الولايات المتحدة باعتبارها دولة تدّعي احترام القانون الدولي.
لكن ما كشفه تقرير المفتش العام يشير إلى أن إدارة الرئيس ترمب تنظر إلى هذه المنظومة باعتبارها عبئا سياسيا وعسكريا يقيّد حرية استخدام القوة، خصوصا في مرحلة تشهد تصعيدا أميركيا واسعا ضد إيران وحلفائها في المنطقة. فالتقرير يؤكد أن الاجتماعات الرقابية توقفت، وتم تعليق أدوات المتابعة التقنية، كما جرى تفريغ البرنامج من كوادره المتخصصة، إلى درجة أن مسؤولين سابقين وصفوا ما تبقى منه بأنه “هيكل فارغ”.
الأهمية السياسية لهذه الخطوة تكمن في توقيتها. فعملية تفكيك البرنامج تسارعت بالتزامن مع الضربات الأميركية المكثفة ضد إيران، والتي أثارت انتقادات واسعة بسبب ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، خاصة بعد استهداف مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب وسقوط أعداد كبيرة من الأطفال. هنا لا يبدو الأمر مصادفة إدارية، بل جزءا من إعادة تعريف أميركية لمفهوم “الحرب المقبولة”، حيث تصبح القيود الإنسانية أقل أهمية أمام أولوية الحسم العسكري السريع.
والأكثر دلالة أن إدارة ترمب لم تحاول حتى إخفاء هذا التوجه بالكامل. فوزير الدفاع بيت هيغسيث دافع مرارا عن العمليات العسكرية الأميركية بالمنطق ذاته الذي تستخدمه إسرائيل في غزة ولبنان: تحميل الخصم المسؤولية الكاملة عن مقتل المدنيين بحجة استخدام المناطق السكنية لأغراض عسكرية. هذا الخطاب، الذي كان يُنظر إليه سابقا باعتباره جزءا من العقيدة الأمنية الإسرائيلية، أصبح اليوم جزءا متزايدا من الخطاب العسكري الأميركي الرسمي.
💬 التعليقات (0)