أمد/ كعادته، حين يكتب الرفيق تيسير محيسن، في الأدب كما في السياسة، يبدع. لكنه اليوم لم يكتب نصاً عادياً؛ بل نقر بأصابعه على أكثر أوتار الوجع الفلسطيني نزفاً، وجع غزة بعد عامين ونصف من حرب الإبادة الشاملة التي قلبت كل شيء، وسلبت الناس أبسط مقومات الحياة. كتب عن شعبٍ يصرّ على البقاء، يعيش تحت سقف متهالك وخيمة بالية، لكنه يتمسك بكرامته كما يتمسك بحقه في الحياة. نصه لم ينكأ جرحاً مفتوحاً فحسب، بل استحضر ألماً مقيماً سيطول أمده في حياة أكثر من مليون ونصف فلسطيني دُمّرت بيوتهم وتحولوا إلى نازحين. تكمن قوة النص في أنه لا يصف المشهد فقط، بل يحوّل التفاصيل الإنسانية الصغيرة إلى أسئلة وجودية حادة. حين يقول إن السقف ليس سقفاً بل احتمال نجاة، فإنه يستدعي صورة آلاف العائلات التي احتمت بجدران متداعية، تعرف أنها قد تنهار فوق رؤوسها في أية لحظة. وحين يصبح الضوء كشفاً للهشاشة لا نوراً، فإنه يعرّي هشاشة العالم نفسه، ذلك العالم الذي بات يستهين بحياة البشر ويحوّلهم إلى أرقام. أما الخيمة، فهي عند تيسير ليست مأوى، بل اختصار لانكسار العالم فوق رؤوس الناس. وكيف تكون مأوى وهي لا تصمد أمام ريحٍ عابرة أو مطرٍ ثقيل أو صيفٍ قائظ؟ ويمضي النص بهدوءٍ حزين من الصورة المادية إلى المعنى النفسي؛ من ألواح الزينكو والقماش والحصير التي تُنسج منها محاولة للحياة، إلى تآكل الإحساس بالأمان وضياع المستقبل. فلا تلة المنطار بقيت، ولا شجرة الجميز، ولا الشجاعية التي ولد وترعرع فيها أبو ياسر؛ كلها أحالتها حرب الإبادة إلى ركام. هنا لا يقول تيسير إن الحرب تدمر المدن فقط، بل إنها تعيد تشكيل روح الإنسان وعلاقته بالحياة. وتأتي الجملة الأخيرة شديدة القسوة والعمق: “أن تنتصر الحرب في داخله، لا على بيته فقط.” لأنها تنقل المعركة من الخارج إلى الداخل؛ من الخراب المادي إلى مقاومة الانهيار النفسي والمعنوي. أما افتتاحية النص: “كوة في السجن؟ أم نافذة في قطار؟ … فتحة في قبر؟ أم وميض في نهاية نفق؟” فهي من أكثر مفاتيح النص شاعرية وكثافة، لأنها تضع القارئ أمام التردد المرير بين الحياة والموت، بين المؤقت والدائم، بين النجاة والفقد. النص كله قائم على مفارقة موجعة:كلما ضاقت المساحة، اتسع الوجع.وكلما تقلصت شروط الحياة، تضخمت قيمة الكرامة والصمود. ما كتبه تيسير ليس نصاً كاشفاً للوجع فقط، بل هو الوجع ذاته؛ الوجع الذي نعيشه يومياً، لكننا، رغم كل شيء، ما زلنا نصرّ على العزة والكرامة والبقاء.
و س ج: تنشر تفاصيل "نسخة بديلة" من الاقتراح الأمريكي لإيران: "25 مليار دولار وتخصيب يورانيوم"
اليوم 80..حرب إيران: استعداد ثنائي للقادم وخلافات داخل إدارة ترامب
سلسلة غارات دامية على دير البلح: شهداء وجرحى في استهداف لمركبة مدنية
السعودية تعلن الإثنين غرة ذي الحجة والوقوف بعرفة الثلاثاء 26 مايو الجاري
قرقاش: لن يلوي أحد ذراع الإمارات
💬 التعليقات (0)