أمد/ مع الاعتراف بصعوبة تحليل مشهد التّصعيد الأخير في غزّة ضمن سياق ما يدور في كامل المنطقة، إلّا أنّ ما أغراني لخوض هذه المغامرة هو اعتقادي أنّ اغتيال شخصيّة عسكريّة قياديّة بحجم عزّ الدّين الحدّاد، إن تأكّد، يشكّل تطوّراً يتجاوز حدود الحدث الأمنيّ في القطاع، إلى مساحة أوسع من الحسابات المرتبطة بالبنية الجيوسياسيّة في الإقليم، فضلًا عن تجاوزه حدود سياسات الانتقام التي تعمل عليها إسرائيل طيلة الوقت، إلى فضاء التفاعلات الدّاخليّة وتداعياتها في موسم الانتخابات نهاية هذا العام.
وذلك، لأنّ توقيت هذا الاستهداف لقائد كتائب القسّام في غزّة، على أهمّيّته الأمنيّة، يُعدّ توقيتاً شديد الحساسيّة، حيث تتقاطع مسارات الساحات المتفاعلة: غزّة، لبنان، وإيران حول السّياق السّياسي، وتتداخل في الخلفيّة تعقيدات المسار التفاوضيّ في باكستان مع مخرجات اللّقاء الأمريكيّ الصينيّ الّتي تشي بإمكانيّة إعادة رسم بعض أولويّات واشنطن في المرحلة القريبة المقبلة.
من هنا، يبدو لي أنّ فكرة الاغتيال نفسها جزءًا من مشهد أكبر تحاول من خلاله تلّ أبيب، إرسال المزيد من الرسائل متعدّدة الاتّجاهات، لا ترتبط فقط بمستقبل قطاع غزّة، قدر ما تجتهد لربطها بحدود الدّور الأمريكيّ، وبشكل الإقليم الّذي يجب - بوجهة النظر الإسرائيليّة - أن يُعاد ترتيبه تحت مستوى النار لا تحت سقوف التسويات، وكأنّها تقول إنّ إسرائيل قادرة على الحضور المؤثّر عبر القوّة، وإن ذهبت أمريكا بعيداً عبر مسار التفاهمات السّياسيّة؛ وهو ما يُعدّ محاولة إسرائيليّة جادّة لتثبيت موقعها قبل الدّخول في أيّ تسويات أو تفاهمات جديدة.
ففي غزّة، تحمل العمليّة رسالة واضحة باتّجاهين، عنوانهما العريض أنّ إسرائيل تسعى إلى إعادة تعريف شروطها لليوم التالي. أمّا الاتّجاه الأوّل فيقول إنّ استهداف شخصيّة بوزن الحدّاد، يعني توجيه ضربة مؤلمة للبنية القياديّة والتنظيميّة لحركة حماس الرّافضة حتّى الآن لشرط تسليم السلاح، على الرّغم من كونها مرهقة عسكريّاً ومتراجعة سياسيّاً لأسباب مختلفة ومتداخلة؛ فيما يشير الاتّجاه الثاني إلى ارتباط الحدث برفع الكلفة السّياسيّة لأيّة ترتيبات محتملة يمكن أن تخرج بها الاجتماعات الفلسطينيّة في القاهرة أو عبر الوسطاء.
إلّا أنّ هذه الرسالة بتقديري، تكتسب أهمّيّة إضافيّة إذا ما وضعناها في سياق الحديث عن تطبيق خطّة ترامب للسّلام، حيث تتحرّك تلّ أبيب بهذا المعنى لتفرض دخولها لأيّ مسار سياسيّ من موقع المنتصر، مستندة إلى موازين القوّة الّتي حاولت إعادة تشكيلها تحت سقف النار؛ وهي رسالة للاستهلاك المحلّيّ في المقام الأوّل.
في الأثناء، تظهر الساحة اللبنانيّة بوصفها جزءاً من معادلة أوسع؛ فالتصعيد المتبادل على الجبهة الشماليّة مع حزب الله، يفتح الباب أمام قراءة تعتبر أنّ الضغط العسكريّ على غزّة، يمكنه أن يمتدّ تلقائيّاً إلى الجبهة الشماليّة، وأنّ أيّ تراجع في واحدة من الساحتين يمنح الأخرى هامش حركة أوسع. أي أنّ العمليّة في قطاع غزّة تحمل رسالة مهمّة وضروريّة للساحة اللبنانيّة، تؤكّد من خلالها إسرائيل أنّها لا تلتزم بأيّ اتفاق لا يلبّي شروطها، قدر استعدادها الكامل للمضيّ قدماً في الحلول العسكريّة.
💬 التعليقات (0)