أمد/ في لحظات الاضطراب الكبرى، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من سلاح أو نفوذ، وإنما بقدرتها على الحفاظ على توازنها وسط الفوضى، وعلى قراءة المشهد بعقل بارد بينما تتحرك المنطقة كلها تحت تأثير الانفعال والضغط والتوتر. وربما تكون هذه هي المعادلة الأوضح لفهم الموقف المصري في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتزايد فيها احتمالات التصعيد العسكري، بينما يتراجع منطق السياسة خطوة بعد أخرى أمام ضجيج الحرب.
فالشرق الأوسط يعيش اليوم واحدة من أخطر مراحل السيولة الاستراتيجية منذ سنوات طويلة. المنطقة بأكملها تتحرك فوق أرض رخوة؛ الولايات المتحدة ترفع سقف الضغوط على إيران، وإسرائيل تدفع باتجاه إبقاء خيار القوة حاضراً، وطهران تتمسك بسياسة النَفَس الطويل، بينما يتحمل العالم كلفة يومية متزايدة نتيجة حالة الاختناق التي أصابت الملاحة والطاقة والتجارة في محيط مضيق هرمز.
ورغم هذا المشهد المزدحم بالرسائل العسكرية والتهديدات المتبادلة، فإن الحقيقة الأهم ربما تكمن في أن جميع الأطراف تدرك خطورة الحرب الشاملة، لكنها في الوقت نفسه تبدو عاجزة عن العودة الكاملة إلى طاولة التفاوض.
وفي خضم هذا الجنون الإقليمي، يبدو الموقف المصري مختلفاً في أدواته وأهدافه. فالقاهرة تتحرك بمنطق الدولة التي تدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو الانزلاق وراء الاستقطاب الحاد أو الحسابات الانفعالية. ولذلك اختارت مصر الحفاظ على قدر كبير من الرشد الاستراتيجي، يسمح لها بالحركة على مختلف المسارات، دون أن تفقد اتزانها أو تنخرط في مغامرات غير محسوبة.
هذا الرشد لا يعني الحياد السلبي، بل على العكس؛ فمصر تتحرك سياسياً ودبلوماسياً بصورة نشطة من أجل احتواء التصعيد، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي، ومنع تحول التوتر الحالي إلى مواجهة شاملة ستكون تكلفتها هائلة على الجميع، خصوصاً على الدول العربية والخليجية التي أصبحت تتحمل ضغوطاً أمنية واقتصادية متصاعدة نتيجة بقاء المنطقة في حالة استنفار دائم، حتى في غياب الحرب المباشرة.
وفي المقابل، تبدو الإدارة الأمريكية واقعة تحت ضغط مزدوج؛ فهي تريد إظهار الحزم تجاه إيران، لكنها تدرك أن أي حرب واسعة قد تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي داخلي يصعب تحمله. ولذلك تميل واشنطن إلى استخدام سياسة «الضغط القصوى» مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تسويات جزئية أو عمليات عسكرية محدودة تحقق مكاسب سياسية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
💬 التعليقات (0)