في دراسته "الصبر الإستراتيجي: إطار مفاهيمي ومقاربة في الصراعات الدولية"، المنشورة في مجلة "لباب" التابعة لمركز الجزيرة للدراسات، يحاول الباحث وائل شديد تفكيك واحد من أكثر المفاهيم استخدامًا وغموضًا في الوقت نفسه داخل العلاقات الدولية: "الصبر الإستراتيجي". فالمفهوم، كما يرى، لا يعني السلبية أو العجز أو مجرد الانتظار، بل يمثل إستراتيجية كاملة لإدارة الصراع، تقوم على تحويل الزمن نفسه إلى أداة قوة، تسمح للطرف الأضعف بإعادة تشكيل ميزان القوى تدريجيًّا بدل الانتحار في مواجهة مبكرة مع خصم متفوق.
وتنطلق الدراسة من فكرة مركزية مفادها أن كثيرًا من النظريات التقليدية في العلاقات الدولية تبالغ في تقدير القوة المادية المباشرة، وتفترض أن الطرف الأقوى ينتصر دائمًا بحكم تفوقه العسكري أو الاقتصادي، بينما يكشف التاريخ – وفق الباحث – أن إدارة الزمن، وضبط الانفعال، وبناء القدرات التراكمي، قد تسمح للطرف الأضعف بتحويل نقاط ضعفه إلى عناصر قوة على المدى الطويل.
يرى وائل شديد أن جوهر الصبر الإستراتيجي يبدأ من إعادة تعريف الزمن نفسه. فالوقت، في هذا التصور، ليس مجرد مرحلة انتظار مؤقتة، بل "أصل إستراتيجي" يمكن استثماره مثل المال أو السلاح أو التحالفات.
ولهذا يربط الباحث بين الصبر الإستراتيجي وما يسميه "ضبط الانفعال"، أي الامتناع عن الاستجابة الفورية للاستفزازات أو الانجرار إلى معارك غير مواتية. فالمواجهة المبكرة مع خصم متفوق قد تمنحه فرصة توجيه ضربة قاضية تنهي الصراع سريعًا، بينما يسمح الصبر للطرف الأضعف بإطالة الزمن، وإرباك حسابات العدو، وخلق ظروف أكثر ملاءمة لاحقًا.
وفي هذا السياق تستعيد الدراسة أمثلة تاريخية متعددة، من الإستراتيجية الفابية في مواجهة حنبعل، إلى تجربة جورج واشنطن في حرب الاستقلال الأمريكية، وصولًا إلى الروس في مواجهة نابليون، حيث تحول الانسحاب المدروس، واستنزاف الخصم، وإدارة الوقت، إلى أدوات حسم أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة.
لكن الباحث يشدد على أن الزمن وحده لا يكفي. فالانتظار الذي لا يصاحبه بناء حقيقي للقوة قد يتحول إلى "شلل إستراتيجي" أو استسلام مقنع، وهو ما يجعل الصبر المنتج مختلفًا عن العجز السلبي.
💬 التعليقات (0)