في المجتمعات المأزومة لا يعود التحيّز مجرّد رأي عابر أو انفعال مؤقت، بل يتحوّل تدريجياً إلى أداة سياسية واجتماعية تعيد تشكيل الوعي العام، وتنتج خرائط جديدة للخصومة والكراهية والاصطفاف. وهذا ما يبدو واضحاً اليوم في الحالة الفلسطينية، حيث لم يعد التحيّز مقتصراً على اختلاف البرامج أو التوجهات السياسية، بل تمدّد إلى داخل النسيج الاجتماعي ذاته، حتى بات الفلسطيني يُعاد تعريفه أحياناً وفق انتمائه التنظيمي أو الجغرافي أو العائلي أو حتى موقفه من حدث سياسي عابر.
لقد مرّ الفلسطينيون تاريخياً بأشكال مختلفة من التحيّز الطبيعي، وهو ذاك المرتبط بتكوين الهوية الجمعية في مواجهة الاحتلال والاستعمار. كان من الطبيعي أن تتعزز سردية "نحن" في مواجهة "الآخر" الإسرائيلي، وأن تُبنى الذاكرة الوطنية على تمجيد الصمود والتضحية والهوية الفلسطينية الجامعة. هذا النوع من التحيّز كان ضرورة وطنية لحماية المجتمع من الذوبان، ولم يكن خطراً طالما بقي موجهاً نحو تعزيز الوحدة الوطنية.
لكن ما نشهده اليوم مختلف تماماً. نحن أمام انتقال خطير من "التحيز الطبيعي" إلى "التحيز المصنوع"، أي ذلك الذي يجري إنتاجه عمداً عبر الإعلام المحلي ومنصات التواصل الاجتماعي وغرف المصالح السياسية، بهدف تشكيل وعي منحاز يخدم طرفاً ضد آخر، أو يعيد هندسة المزاج الشعبي بما يتناسب مع حسابات النفوذ والتمثيل.
في الانتخابات المحلية الأخيرة مثلاً، لم يكن التنافس محصوراً في البرامج والخدمات والقدرة على الإدارة، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى حملات تعبئة نفسية واجتماعية ضد القوائم المنافسة. ظهرت لغة التخوين والإقصاء والتنمر السياسي والعائلي بصورة لافتة، وساهمت بعض الصفحات المحلية في تكريس صورة أن فوز طرف ما يعني "سقوط المجتمع" أو "ضياع المدينة" أو "خيانة التاريخ". هنا لم يعد الإعلام ناقلاً للحدث، بل صار جزءاً من ماكينة صناعة الانقسام.
الأخطر من ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي منحت هذا التحيّز قدرة هائلة على الانتشار والتأثير. فخوارزميات المنصات لا تكافئ العقلانية، بل تكافئ الإثارة والغضب والانفعال. ولذلك يصبح المحتوى الأكثر تحريضاً هو الأكثر انتشاراً، بينما يتراجع الصوت الهادئ والعقلاني. ومع الوقت تتشكّل فقاعات اجتماعية مغلقة، يسمع فيها كل طرف صدى نفسه فقط، ويقتنع أن خصمه ليس مختلفاً معه سياسياً فحسب، بل عدوّ أخلاقي ووطني أيضاً.
هذا المشهد يتكرر اليوم بصورة أكثر حساسية مع النقاشات المرتبطة بالمؤتمر الثامن لحركة حركة فتح. فمن يراقب الفضاء الإلكتروني الفلسطيني يلاحظ حجم الاستقطاب الذي يتجاوز حدود الاختلاف التنظيمي الطبيعي، ليتحوّل إلى عملية فرز حادة بين "فتح الأصلية" و"فتح الحقيقية" و"التيار الشرعي" و"التيار المنحرف"، وكأن الحركة التي شكّلت لعقود العمود الفقري للهوية الوطنية الفلسطينية باتت مهددة بالتشظي عبر خطاب داخلي يتغذى على التحيّز المصنوع أكثر من أي شيء آخر.
💬 التعليقات (0)