وأخيرًا .. ذهبنا لنأخذ قسطًا من الراحة. ثلاث ليالٍ طويلة من السهر، من الانتظار، من الأحاديث التي لا تنتهي، من الوجوه التي تحمل فتح فوق أكتافها كأنها ذاكرة وطن كاملة. وحين وضعت رأسي لأحاول النوم، لم يأتِ النوم سريعًا، لأن المؤتمر الثامن لحركة فتح لم يكن مجرد حدث تنظيمي عابر، بل كان أشبه بمرآة كبيرة رأيت فيها الحركة كلها: عظمتها، تعبها، تاريخها، وارتباكها أيضًا.
في اليوم الأول، شعرت بسعادة حقيقية.
سعادة صادقة لا يمكن إنكارها. كنت أجلس بين المئات من أبناء حركة فتح، رجال ونساء جاؤوا من المنافي والمخيمات والسجون والجامعات والقرى والمدن، يحملون ذلك الشوق القديم للحركة التي كانت يومًا تعريف الفلسطيني لنفسه. كانت القاعة ممتلئة بوجوه تشبه تاريخًا كاملًا من التعب الوطني. وحين ألقى الرئيس كلمته، كان واضحًا أن الرجل، رغم كل ما قيل ويقال، ما زال بالنسبة لكثيرين العمود الأخير في هذا البناء المتعب. لذلك لم يكن مستغربًا أن ينتهي المشهد بمبايعته وانتخابه مرة أخرى. فالحركات في لحظات القلق تميل دائمًا إلى الاحتماء بما تعرفه، لا بما تجهله.
خرجنا من اليوم الأول ونحن نظن أن اليوم التالي سيكون يوم المراجعة الكبرى.
قلنا ربما ستقف فتح أمام نفسها أخيرًا. ربما ستسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ ماذا أخطأنا؟ لماذا تراجعت صورتنا؟ لماذا يشعر كثير من أبناء الحركة أن المسافة أصبحت شاسعة بين القيادة والناس؟ كيف أُنهكت التنظيمات؟ ولماذا أصبحت القواعد أكثر تعبًا من الشعارات نفسها؟ لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. كل ما كُتب قبل المؤتمر بدا وكأنه يتحقق حرفيًا.
قيل إن المؤتمر لن يكون مؤتمر مراجعة، بل مهرجانًا انتخابيًا ضخمًا .. وهذا ما حدث تمامًا. القضايا الكبرى لم تُطرح في القاعة، بل في الممرات. النقد لم يُقل على المنصة، بل همسًا في الزوايا. أما الأسئلة الثقيلة، فقد ظلت معلقة في الهواء كأن الجميع يخشى لمسها. كان المشهد غريبًا ومؤلمًا في آنٍ واحد.
💬 التعليقات (0)