نعيش اليوم في زمن تتسارع أيامه وأحداثه، وتكاد عقارب الساعة أن تبتلع الذاكرة، وعلى حين جلسة قراءة وسط هذا الزحام، يكون كتاب "في ظلال الزيتون.. يوميات وذكريات" للدكتور عبد العزيز السيد أحمد، أشبه بمحاولة نبيلة لإنقاذ الإنسان من النسيان، وأن يحفظ الوجوه والأصوات التي صنعت حياتنا الأولى، بوصفه شهادة حية على حقبة زمنية، وعلى جيل حمل الوعي ثم العلم في أصعب الظروف.
يتحدث الدكتور السيد أحمد في الكتاب عن جذوره الأولى في دورا، وإلى عصيرة الشمالية قضاء نابلس، القرية التي عمل فيها معلماً بين عامي 1960-1962، الفترة التي صاغت وجدانه ووعيه الإنساني والثقافي، في ظلال زيتون عصيرة الشمالية، تشكلت الملامح الأولى لشاب فتح عينيه على مجتمع بسيط في أدواته، عظيم في أخلاقه، صلب في قيمه، غني بإنسانيته.
يسرد الكاتب أيامه وأحداث حياته، ضمن تأطير وثائقي إنساني ووطني واجتماعي يحفظ إرثاً غير مادي من التلاشي والنسيان، يكتب عن فلسطين كما عرفها الناس البسطاء؛ فلسطين البيوت المتواضعة العامرة بالقيم، وفلسطين العلاقات الإنسانية العميقة، وفلسطين التعليم الذي كان رسالة قبل أن يكون وظيفة، وفلسطين الإنسان الذي صنع من القليل حياة تستحق الاحترام.
ولا يبدو الزيتون في عنوان الكتاب مجرد صورة جمالية أو عنصر طبيعي مألوف في بيئتنا، بل يحضر بوصفه رمزاً للثبات والجذور والصبر والبركة؛ وكأن المؤلف أراد أن يقول إن الفلسطيني يشبه زيتونه: قد تعصف به الرياح، لكنه لا ينكسر، وقد يتعب، لكنه لا يفقد جذوره.
تتجلى القيمة التوثيقية للكتاب بوضوح في حديثه عن عشرات الشخصيات الوطنية والتربوية والمهنية التي كان لها دور محوري في تأسيس جهاز التعليم الفلسطيني خلال فترة الحكم الأردني، ثم في سنوات الاحتلال، وربما كانت الأساس لما تلاها من مراحل لاحقة.. وهذا يوثق مرحلة صنعت الوعي الحديث، وأسست لجيل اعتبر العلم شكلاً من أشكال الصمود والبقاء، استحضر سيرهم بمحبة ووفاء، وذكر القارئ بأن الأمم لا تنهض إلا بالعقول الراجحة.
وفي كل لحظة أمسك فيها خيط جملة من سطور الكتاب، ألمس سعة أدبية واضحة، وقدرة سردية لافتة، فهو لا يروي الأحداث بطريقة جافة أو توثيقية صامتة، بل يمنحها روحاً وحياة، ويجعل من صغائر المواقف مشاهد نابضة بالمعنى، ولعل هذه القدرة تعود في جانب منها، إلى تجربة الكاتب في العمل الصحفي، فالصحافة الحقيقية لا تكتفي بنقل الخبر، بل تمنح الكاتب القدرة على التقاط التفاصيل، وصياغة الحكاية، وربط الإنسان بالمكان والحدث بالذاكرة.
💬 التعليقات (0)