f 𝕏 W
إطلاق النار بهدوء!

جريدة القدس

سياسة منذ 2 سا 👁 0 ⏱ 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

إطلاق النار بهدوء!

الأحد 17 مايو 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

بعض الحروب تنتهي باتفاقات سياسية واضحة، وبعضها يتحول إلى حالة دائمة من إدارة الصراع تحت اسم التهدئة، هذا بالضبط ما يحاول الاحتلال تكريسه في غزة ولبنان، حيث لا يبدو أنه ينظر إلى التهدئة باعتبارها التزاماً متبادلاً، بل صيغة تمنحه حرية الحركة الكاملة مقابل تقييد الأطراف الأخرى وتجريدها من حق المبادرة والرد او اعادة بناء القوة، وهكذا يصبح وقف إطلاق النار ليس وقفاً للحرب بقدر ما هو إعادة تنظيم لها، وبشروط أكثر سلاسة وأقل كلفة.منذ حرب تموز في لبنان، مروراً بالجولات المتعاقبة على غزة، وصولاً إلى السابع من أكتوبر، تطورت العقيدة الأمنية الإسرائيلية نحو مفهوم يقوم على إدارة التهديد لا حله، وعلى الحفاظ على تفوق عسكري مطلق يسمح لها بتوجيه الضربات متى شاءت دون الانزلاق إلى حرب شاملة لا تضمن نتائجها، لهذا السبب تصر دائماً على صياغات فضفاضة في الاتفاقات، تتيح لها مواصلة الاغتيالات والاستهدافات والاختراقات تحت ذريعة الدفاع عن النفس أو منع التهديدات المستقبلية، بينما تعتبر اي رد خرقا مباشرا يستوجب الرد والتصعيد.في غزة بدا هذا المنطق أكثر وضوحاً بعد الحرب الأخيرة، إذ حاول الاحتلال فرض نموذج يقوم على منع المقاومة من إعادة ترميم قدراتها العسكرية والتنظيمية، واستمرار الحصار والرقابة والسيطرة على المعابر والأرض والماء والسماء، وكأن المطلوب من الفلسطينيين القبول بحالة من الهدوء القسري مقابل استمرار الاحتلال في حربه، فوقف إطلاق النار هناك لا يرتبط بإنهاء الاحتلال او معالجة آثار الحرب أو حتى تخفيف آثار الكارثة الإنسانية، بل بتحويل القطاع إلى مساحة منهكة وغير قادرة على إنتاج "تهديد جديد"، لذلك لا يبدو مستغرباً أن تترافق أحاديث التهدئة مع توسيع العمليات العسكرية والاغتيالات والضغوط الاقتصادية، في تناقضٍ يكشف طبيعة الرؤية ذاتها.وفي لبنان تتكرر المعادلة، ولكن ضمن حدودٍ أكثر حساسية، بسبب توازن الردع القائم، فجيش الاحتلال يسعى إلى تكريس واقع يسمح له بحرية الاستطلاع والقصف وفرض قواعد اشتباك جديدة، بينما يمنع حزب الله من تثبيت معادلات مقابلة، ومن هنا يصبح أي وقف لإطلاق النار محاولة لإعادة إنتاج التفوق الإسرائيلي، لا الاستقرار، حتى إن الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي يكشف ذلك بوضوح، خاصة حين يجري الحديث عن ضرورة الحفاظ على حرية العمل العسكري في لبنان وغزة وغيرهما بعد أي اتفاق محتمل.هذا التصور لا ينتج استقراراً، بل يؤسس لدورات انفجار متكررة، فالتاريخ يخبرنا أن فرض الهدوء بالقوة دون معالجة أسباب الأزمات لا يؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار، وبشكل أكبر، وقد أثبتت التجارب من جنوب لبنان إلى غزة أن الحصار والتدمير ومحاولات الاخضاع لا تحول الشعوب إلى مجتمعات مستسلمة، بل إلى بيئاتٍ أكثر توتراً واستعداداً للمواجهة والتضحية على المدى البعيد، لهذا يبدو الاحتلال كأنه عالق في مأزق استراتيجي خطير، فهو يمتلك تفوقاً عسكرياً هائلاً، لكنه عاجز عن تحويله إلى إنجازات أو استقرار دائم.في المقابل، يساهم المجتمع الدولي نفسه في ترسيخ هذا الواقع؛ حين يتعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه هدفاً بحد ذاته، لا خطوة ضمن مسار سياسي، لأن غياب أي أفق سياسي واستمرار الاحتلال والحصار والتوسع الاستيطاني يجعلان أيّ تهدئةٍ مؤقتةً وقابلةً للانفجار عند أول اختبار.

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)