الأحد 17 مايو 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس
هي "فتح" التي من شيمها أن تحفظ إرث المؤسسين الأوائل، أصحاب الطلقة الأولى التي رآها البعض، في حينه، أنها مغامرة غير محسوبة، ثم عادوا والتحقوا بركب "فتح" الثورة و "فتح" النار. ومن هذا المنطلق الذي يؤمن به كل فتحاوي وفتحاوية، جاءت مبايعة الرئيس محمود عباس ليواصل قيادة حركة "فتح"، وكان الإجماع في المؤتمر دليلًا قاطعًا على وفاء الحركة لقادتها الأحياء والشهداء، وتأكيدًا على مواصلة المسيرة بذات الهمة والعقيدة الراسخة، بلا شك أو تأويل. إلا أن المتربصين بـ"فتح"، كعادتهم، ببغاواتٌ في الهباء، يسعون إلى حرف البوصلة عن مسارها، ويتخذون من لحظة الوفاء داخل المؤتمر، ما يزيد من أحقادهم على "فتح"، التي لم تلتفت يومًا إلى تلك الترهات والسقطات الهوجاء، ولا يعنيها ما يقوله خصومها. وفي ذات الأمر، لستُ من المصفقين للتوريث مهما كان الأمر، ولستُ ممن يجدون الأعذار لتمرير هكذا موقف يُسجَّل في تاريخ الحركة التي رفضت الرجعية والإمبريالية منذ طلقتها الأولى، لكنه حق الديمقراطية ومخرجاتها؛ فلا أحد في "فتح" يمكنه منع أحد من الترشح، وتبقى الكلمة الأخيرة لصندوق الاقتراع.إن مؤتمر "فتح" الثامن تجاوز مرحلة العتب على العضوية وما تلاها من فصول اللوم، كحركة واسعة وكبيرة، بحجمٍ يصعب معه أن يجد كل ذي حق حقَّه في عضوية المؤتمر، لعوامل كثيرة، أبرزها امتداد مساحتها النضالية، واتساع جماهيريتها، وتعدد ساحات أعضائها في الداخل والخارج. وهذا أحد الأسباب التي جعلت قادةً كبارًا ليسوا أعضاءً في المؤتمر، وجعلت بعضاً من الكادر الفتحاوي خارج عضوية مؤتمر فتح الثامن، إلا أن حالة العتب، كالعادة، لا تدوم طويلًا؛ فما إن تنتهي أعمال المؤتمر حتى تعود الحياة في "فتح" إلى طبيعتها، كحركة تؤمن بالتجديد والاختلاف، كما تؤمن بالديمقراطية عبر صندوق الاقتراع، كما كانت تؤمن بديمقراطية غابة البنادق.إن مؤتمر "فتح" الثامن، بما رافقه من حراك جمعي، سواء من الفتحاويين أو من العاتبين على "فتح"، ومن خصومها في الداخل والخارج، وكل الحالة الشعبية التي رافقت آلية اختيار الأعضاء والترشح وتداول الأسماء وأعمال اللجان، وما رأيناه من مشاركة أجنبية وعربية وحضور فلسطينيي الداخل المحتل، أكد بما لا يقبل الشك أن "فتح" عمود البيت وقائدة الفعل والعمل، وهي تنبعث من جديد مع كل مؤتمر، في تسابق الأجيال وتدافع القادة وعتب ولوم من لم يحظَ بحقه في عضوية المؤتمر، وانتقادات من لم يحالفهم الحظ بالنجاح في المواقع التي ترشحوا لها. ومع كل هذا وذاك، تبقى فتح الوحيدة التي تجمع كل المكون الفلسطيني، من رجال الخنادق إلى رجال الأعمال، ومن الشبيبة الطلابية إلى الحركة العمالية، ومن الجندي حتى اللواء، في معادلةٍ استطاعت "فتح" وحدها جمعها داخل الإطار الذي قبل به الكل الفلسطيني من شيوخ وكهان ورهبان وأطباء ومهندسين ومحامين وشبيبة وعمال وفلاحين وأسرى وجرحى وأبطال ومغامرين ومناصرين.ومع انتهاء أعمال مؤتمر "فتح" الثامن، تكون الحركة قد تجاوزت محطةً هامة، رغم التحديات الصعبة وخطورة اللحظة الراهنة والظرف السياسي المحلي والإقليمي والدولي، وهي بذلك تجدد ديمومة الفعل والعمل، وتضخ الدماء الجديدة في أطر الحركة. وأمام هذا كله، تبقى مخرجات المؤتمر هي الأهم في اللحظة المصيرية الراهنة؛ فالتحديات كبيرة، والأولويات كثيرة، وفي مقدمتها إسقاط مشروع اليمين المتطرف الذي يستهدف الوجود الفلسطيني فوق الأرض الفلسطينية، وتعزيز الصمود أمام الخطر الاستيطاني والتهويدي، وإعادة الحياة إلى غزة التي تعيش حتى اليوم، فصول المأساة والإبادة بمعاناة تزداد وخراب يتسع."فتح" في مؤتمرها الثامن تتجدد، وتبعث الحياة في أطر الحركة بهذا الزخم الكبير الذي رأيناه، وقدرة الحركة على الانضباط، وعلى تقديم مؤتمرها العام بمستوى الأحزاب الكبيرة في العالم، وهذا يعني أنها لا تزال حركة الشعب الفلسطيني الكبرى، وقائدة النضال والاستقلال الوطني، ورائدة الفعل، وبوصلة الحق والحقيقة، وهذا يجعل أعداءها يكرهونها أكثر، ولأن أعداءها يكرهونها فإننا نحبها، منتمين ومناصرين، سواء أكنا داخل المؤتمر أم خارجه.
مؤتمر "فتح" الثامن: التجديد وإرادة البقاء
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)