رغم كل الملاحظات على طريقة التحضير للمؤتمر، فإن مجرد انعقاده يُعد إنجازًا بحد ذاته. ومع ذلك، تدخل الحركة مرحلة تبدو أكثر حساسية وتعقيدًا من جلساته نفسها. فالمؤتمر، الذي انعقد بالتزامن بين رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، لم يكن مجرد استحقاق تنظيمي مؤجل، بل جاء في لحظة فلسطينية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد، ما جعل الأنظار تتجه ليس فقط إلى الأسماء التي ستفرزها صناديق الاقتراع في اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وإنما إلى طبيعة المرحلة التي تنتظر الحركة بعد اكتمال النتائج، وإلى قدرة القيادة التي ستنبثق عن هذا المسار على التعامل مع حجم التحديات التي تواجه الحركة والقضية الفلسطينية معًا.
لقد حمل انعقاد المؤتمر في أربع ساحات متزامنة دلالات سياسية ووطنية واضحة؛ فهو عكس حجم التحديات التي فرضتها الجغرافيا الفلسطينية المنقسمة، لكنه أظهر في الوقت نفسه محاولة للحفاظ على وحدة الحركة رغم الحصار والحرب والشتات والانقسام. غير أن رمزية المشهد لا تلغي حقيقة أن الحركة تدخل اليوم مرحلة أكثر صعوبة، لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في عقد المؤتمر بحد ذاته، وإنما فيما سيأتي بعده، وفي قدرة المؤسسات القيادية المنتخبة على تحويل مخرجات المؤتمر إلى سياسات وخطوات عملية تستجيب لحجم المتغيرات التي يعيشها الفلسطينيون
فرام الله حضرت بوصفها مركز القرار السياسي والمؤسساتي، حيث تتقاطع أسئلة السلطة والشرعية ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، فيما جاءت غزة مثقلة بآثار الحرب والدمار والحصار، حاملة معها سؤال الصمود الوطني وإمكانية بقاء المشروع الفلسطيني حيًا تحت النار. أما القاهرة فحضرت بوصفها امتدادًا للدور العربي التاريخي المحيط بالقضية الفلسطينية، بينما أعادت بيروت استحضار مرحلة كاملة من تاريخ فتح، حين كانت إحدى أبرز ساحات الحضور الفلسطيني السياسي والكفاحي والتنظيمي.
وقد ارتبطت مدة انعقاد المؤتمر بالوقت المتاح في الدولتين المضيفتين، ما فرض إيقاعًا زمنيًا مضغوطًا انعكس على حجم النقاشات والمداخلات، وحدّ نسبيًا من اتساعها، الأمر الذي جعل جانبًا من القضايا يُرحَّل إلى المراحل اللاحقة داخل الأطر القيادية المختصة.
إن اجتماع هذه الساحات الأربع في توقيت واحد حمل دلالة تتجاوز الجانب التنظيمي، فهو اعتراف ضمني بأن حركة فتح لم تعد تتحرك داخل جغرافيا فلسطينية واحدة كما في السابق، بل داخل خرائط متعددة ومتداخلة: خريطة السلطة، وخريطة الحرب، وخريطة الشتات، وخريطة الإقليم بكل تعقيداته. ومن هنا، فإن نجاح المؤتمر لا يمكن اختزاله فقط بنتائج الانتخابات الداخلية أو بالتوازنات التي ستفرزها صناديق الاقتراع، بل بمدى قدرة الحركة على إعادة صياغة علاقتها بهذه الساحات المختلفة ضمن رؤية سياسية وتنظيمية موحدة.
فعلى المستوى المحلي، ينعقد هذا المؤتمر فيما يعيش الفلسطينيون واحدة من أكثر المراحل قسوة منذ سنوات طويلة. غزة ما تزال تحت وطأة آثار الحرب والدمار، والضفة الغربية تواجه تصعيدًا متواصلًا واستهدافًا سياسيًا وأمنيًا متصاعدًا، فيما تتعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتتراجع ثقة قطاعات واسعة من الشارع الفلسطيني بالواقع السياسي القائم. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد كافيًا الاكتفاء بإعادة ترتيب البيت التنظيمي الداخلي، لأن الشارع الفلسطيني ينتظر رؤية سياسية قادرة على التعامل مع الأسئلة اليومية الكبرى المتعلقة بالمستقبل، والوحدة الوطنية، وشكل المشروع الفلسطيني في المرحلة القادمة.
💬 التعليقات (0)