f 𝕏 W
هل جعلتنا التكنولوجيا الرقمية أقل أدبًا؟

جريدة القدس

تكنولوجيا منذ ساعة 👁 0 ⏱ 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

هل جعلتنا التكنولوجيا الرقمية أقل أدبًا؟

ليست التكنولوجيا الرقمية قليلة أدب بذاتها، لكنها أحيانًا تكشف قلة الأدب الكامنة فينا، وتمنحها سرعة وانتشارًا وجمهورًا وتصفيقًا. فالهاتف لا يشتم من تلقاء نفسه، والمنصة لا تسخر وحدها، والخوارزمية لا تخترع الوقاحة من العدم، لكنها تعرف كيف تلتقطها وتضخمها وتضعها أمام الناس في أفضل توقيت ممكن، لأنها ببساطة تدرك أن الانفعال يجلب التفاعل، وأن الغضب يرفع المشاهدات، وأن التجاوز يجذب التعليقات أكثر من الاتزان.

في الماضي كان الإنسان يحتاج إلى مجلس أو منبر أو صحيفة أو لقاء مباشر كي يقول رأيه، وكان وجود الناس أمامه يفرض عليه شيئًا من الحياء الاجتماعي. كان يرى العيون، ويسمع نبرة الاعتراض، ويشعر بثقل الكلمة قبل خروجها. أما اليوم فقد صار بالإمكان أن يهين شخصًا لا يعرفه، وأن يسخر من وجع لا يفهمه، وأن يصدر حكمًا قاسيًا على حياة كاملة من وراء شاشة مضيئة وهو مستلقٍ على أريكته. هنا لا تكون المشكلة في الشاشة فقط، بل في المسافة الباردة التي صنعتها بين الفعل ونتيجته، بين الكلمة وأثرها، بين الإنسان والإنسان.

التكنولوجيا الرقمية أعادت تشكيل منظومة الذوق العام. لم يعد الذوق مرتبطًا فقط بطريقة السلام، أو احترام الكبير، أو اختيار الكلمات في المجالس، أو مراعاة المقام الاجتماعي، بل صار مرتبطًا بطريقة التعليق، وإعادة النشر، والتقاط الصورة، وتسجيل الفيديو، ونشر الخصوصيات، والتعامل مع مصائب الناس كمادة محتوى. صار الإنسان يحتاج إلى أخلاق رقمية كما يحتاج إلى أخلاق اجتماعية، لأن ما يفعله على المنصات لم يعد فعلًا عابرًا، بل قد يتحول إلى أرشيف دائم، ووصمة طويلة، وأذى لا ينتهي بمجرد إغلاق التطبيق.

منظومة الذوق العام في المجتمع لا تتشكل بالقوانين وحدها، بل بالتربية، والبيت، والمدرسة، والشارع، والمسجد، والجامعة، والإعلام، والخطاب السياسي، وطريقة الناس في الاختلاف. وعندما تدخل التكنولوجيا الرقمية إلى مجتمع لم يحسم بعد علاقته بالمسؤولية، يصبح العالم الرقمي امتدادًا مرتبكًا لهذا الواقع. فالمنصات لا تصنع الفراغ الأخلاقي من الصفر، لكنها توسّعه، وتمنحه أدوات جديدة، وتجعله أكثر وضوحًا. وما كان يقال همسًا في جلسة صغيرة، صار يكتب علنًا أمام الآلاف، وما كان ينتهي بانتهاء المجلس، صار يبقى محفوظًا وقابلًا للتداول في كل وقت.

الوقاحة الرقمية تظهر حين يظن البعض أن حرية التعبير تعني حرية التجريح، وأن الجرأة تعني كسر الكرامة، وأن النقد يعني الإهانة، وأن خفة الدم تبرر السخرية من الناس. وهذا الخلط لم يأتِ من فراغ، بل من بيئة رقمية تكافئ الصدمة أكثر مما تكافئ الحكمة. فالمنشور الهادئ قد يمر بصمت، أما العبارة المستفزة فتتحول إلى نقاش، والنقاش إلى معركة، والمعركة إلى وصول أعلى. وهكذا يتعلم كثيرون، دون أن يشعروا، أن قلة الأدب قد تكون استراتيجية انتشار، وأن التعدي على الذوق العام قد يكون طريقًا سريعًا نحو الشهرة.

الأخطر أن التكنولوجيا الرقمية لم تكتفِ بتغيير أسلوب الكلام، بل غيرت إحساسنا بالحدود. صار البعض يصور الغرباء في الشارع دون إذن، يعلق على أجساد الناس وملابسهم وأصواتهم وحياتهم الخاصة، يدخل في حزنهم وفرحهم وخلافاتهم كأنه يملك حق التفتيش العام. تحولت الخصوصية إلى مادة قابلة للاستهلاك، وتحولت حياة الآخرين إلى محتوى، وتحول الألم إلى فرصة لزيادة المتابعين. هنا تصبح التكنولوجيا قليلة أدب حين تفقدنا الإحساس بأن خلف كل صورة إنسانًا، وخلف كل قصة عائلة، وخلف كل خطأ حياة لا يجوز تمزيقها من أجل مشاهدات.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)