"في القرن الحادي والعشرين، لا تُضم الأرض عندما تُرسم الحدود... بل عندما يُعاد تعريف تاريخها."
لم يعد الصراع الحديث يُحسم بالحروب الكبرى ولا بالاتفاقيات التاريخية. في زمننا، ظهرت صيغة جديدة للسيطرة يمكن وصفها بالسيادة الهادئة؛ سيادة لا تعلن نفسها لكنها تتوسع يومياً، ولا تحتاج خطاب ضم أو لحظة سياسية فاصلة، لأن هدفها ليس إحداث الصدمة... بل صناعة الاعتياد.
وما نشهده في الضفة الغربية ليس حدثا منفصلاً، بل نموذجاً متقدماً لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية دون إعلان رسمي.
لا يمكن قراءة قرار إنشاء سلطة تراث إسرائيلية في الضفة الغربية باعتباره تنظيمًاً لملف الآثار أو السياحة فقط. بل خطوة قانونية تحمل دلالة سيادية عميقة للقرار تكمن في نقل جزء من الصلاحيات من الإدارة العسكرية المؤقتة إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية دائمة داخل الضفة. وهو انتقال يُقرأ باعتباره مرحلة متقدمة من الضم الزاحف عبر السيطرة على الأرض من بوابة التاريخ والآثار. هنا لا تُدار المواقع الأثرية فحسب، بل يُعاد تعريف المكان نفسه: من أرض متنازع عليها إلى فضاء مُدار ضمن منظومة سيادية قبل أي إعلان سياسي رسمي.
إنها هندسة سيادة بلا إعلان.
في الماضي، كان الضم يبدأ بقرار واضح أو خطوة عسكرية صريحة. أما اليوم فنحن أمام نموذج مختلف تماماً: سيادة تُبنى بهدوء عبر القانون والإدارة والخرائط، بل وحتى عبر اللافتات التعريفية في المواقع الأثرية. إنها عملية تراكمية لتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والاحتلال المؤقت إلى واقع يبدو طبيعياًبمرور الزمن.
💬 التعليقات (0)