تعتبر "حرب البسوس" التي استمرت عشرات السنين من أعقد الحروب التي شهدها العصر الجاهلي، وذلك لصلة القرابة والتداخل الكبير بين القبيلتين المتنازعتين بني بكر وتغلب. ومن دلائل شدة التعقيد أن "هجرس" إبن الملك وائل بن ربيعة (المشهور بكليب)، قد رباه خاله جساس بن مرة في بيته، وهو نفسه قاتل والده كليب.
عندما كبر الهجرس وعرف أن أباه هو المغدور كليب، وأن قاتله هو خاله جساس، بدأت قضية الثأر لوالده تراوده. حينها، اقترح "مرة بن ذهل" (والد جساس) على ابنه أن يتنازل عن الملك لهجرس، لكي لا يلتحق الأخير بعمه "الزير سالم" وأهله من بني تغلب فيقاتل معهم. لقد كان الاقتراح عبارة عن "مقايضة": تتويجه ملكاً مقابل التنازل عن ثأر أبيه.
وفي يوم التتويج المتفق عليه، ثارت حمية الهجرس واستل سيفه ليقتل جساساً، فاندلعت المواجهة والتحق هجرس بأهله، رافضاً مقايضة كرامته ودم والده بالملك، وانحاز لقضية العزة التي رآها في الأخذ بالثأر. لقد حدث هذا في "جاهلية" تخلو من المبادئ السماوية، لكن الدنيا في نظرهم لم تكن تساوي شيئاً أمام المناصب، والعزة لا تُباع مهما كان الثمن.
بعد أن نجح الاستعمار في التغلب على أمتنا وتفكيك وحدتها والسيطرة على مفاصل حياتها، أصبح القرار بيده، وغدت المناصب هو من يملك توزيعها. وهنا، وجدنا من أبناء هذه الأمة من يقايض حقوق الأمة وثرواتها وكرامتها بمناصب يسديها له المستعمر. فكانت هذه الفئة الشاذة تحكم الأمة وتتسلط عليها، وتسومها سوء العذاب، وتنفذ المخططات الغربية بل زيادة عما يريد هذا المستعمر ليبقى راضياً عنها.
إن الذين يقايضون حقوق الأمة بمناصب زائلة وكراسي حكم معوجة، هم منسلخون عن الأمة وفاقدون لعنصر العزة والأمانة . لذا، وجب على الأمة العمل لإزاحتهم عن مواقع القرار، وأن يتولى شؤونها أهل عزة لا يساومون على الحقوق مهما كان المقابل .
إذا كانت دوافع الكرامة هي من دفعت "ابن كليب" للثورة ضد قتلة أبيه وهو في جاهلية بعيدة عن السمو الفكري، أليس الأولى بأصحاب القرار اليوم – وبين أيديهم أعظم دين ومبدأ – أن تتحرك فيهم دوافع العزة والكرامة والحق فيثوروا على أعدائهم ولا يبقوا يقايضون الحقوق والكرامة بالمناصب والسلطان والجاه؟.
💬 التعليقات (0)