أمد/ بعد أكثر من عامين من حرب إبادة استهدفت الوجود الفلسطيني في غزة والضفة، يقف المجتمع الفلسطيني على أنقاض كارثة متعددة الأبعاد. فبينما تتحدث التقارير الأممية عن "محو عقود من التنمية" في قطاع غزة، وتراجع مؤشر التنمية البشرية 77 عاماً إلى الوراء، تنشغل النخب السياسية الفلسطينية في معاركها الداخلية. حماس تُرمم قدراتها القيادية والعسكرية التي تضررت جراء الحرب، وحركة فتح تعقد مؤتمرها الثامن لتجديد وجوه قيادتها التي هرمت؛ أما المواطن الفلسطيني البسيط،لا يزال يتخبط بين الجوع والعطش والتهجير القسري. لفهم جذور هذا المأزق، لا بد من استحضار مفهوم "العقد الاجتماعي" كما أرساه فلاسفة التنوير،وهو اتفاق غير مكتوب بين الشعب والدولة، يتنازل فيه الأفراد عن جزء من حرياتهم مقابل أن توفر لهم السلطة التنفيذية، أي( الحكومة) ،الأمن والحماية والخدمات والعدالة. فإذا أخلت الدولة بهذا الالتزام، يفقد العقد شرعيته، ويحق للشعب محاسبة الحاكم وتغييره. في الحالة الفلسطينية، هذا العقد منهار تماماً، سواء من حيث توفير الأمن، أو الخدمات، أو العدالة، أو حتى حق المواطن في اختيار من يحكمه عبر صناديق الاقتراع المغلقة منذ عام 2009، تاريخ انتهاء المدة الزمنية المحددة من بداية عام 2004, للفترة الرئاسية وهي خمس سنوات قانونياً. تسعى هذه الورقة إلى تحليل هذا الواقع الكارثي من خلال عدسة العقد الاجتماعي الغائب، وتطرح سؤالاً حول إمكانية تجديده عبر انتخابات جديدة شاملة، ومؤسسات متجددة، وأولوية مطلقة لإعمار ما دمرته الحرب في غزة ومخيمات الضفة الغربية. السؤال الإشكالي في ظل فشل النخب الفلسطينية الحاكمة في توفير أبسط مقومات الأمن والحياة الكريمة لشعب يعاني ويلات الحرب والدمار والتهجير، هل ما زال العقد الاجتماعي القائم على تقديس التنظيمات والأشخاص قابلاً للحياة؛ وكيف يمكن الانتقال من حالة "إدارة الأزمة" إلى مشروع وطني جديد يقوم على انتخابات حرة، ومؤسسات متجددة، وأولوية مطلقة لإعمار غزة ومخيمات الضفة التي سُويت بالأرض. المحور الأول: حماس – ترميم الذات بعد حرب الإبادة على الرغم من مرور أكثر من عامين على حرب الإبادة التي اندلعت في السابع من اكتوبر2023 والتوصل لوقف إطلاق النار في 10-اكتوبر2025، تكشف تقارير ميدانية أن حماس لا تزال قادرة على "استعادة عافيتها وإعادة تنظيم صفوفها" . ويُقر جنود إسرائيليون بأن الحركة "ليست هشة"، وأنها تتعلم وتتكيف، محولة مناطق خارج الخط الأصفر إلى ساحات قتال معقدة . لكن هذا الصمود العسكري لا يعني انتصاراً استراتيجياً، بل يكشف مأزقاً أعمق،لقد ربطت الحركة مصير أكثر من مليوني إنسان بقدرتها على "الصمود"، بتكلفة بشرية ومادية لا يمكن تصورها. لقد تحول قطاع غزة إلى ركام، وتشير التقديرات إلى أن إعادة إعماره ستتطلب أكثر من 70 مليار دولار وقد تستغرق عقوداً من الزمن. كما أن إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية، دون وجود خطة سياسية لحماية المدنيين وإعمار ما دمرته الحرب، يطرح سؤالاً أخلاقياً وسياسياً عميقاً حول شرعية أي مشروع لا يضع حياة المواطن الفلسطيني وسلامته في صلب أولوياته. المحور الثاني: مؤتمر فتح الثامن – تجديد للوجوه أم إعادة إنتاج للأزمة. على الجانب الآخر من الانقسام، يعقد مؤتمر حركة فتح الثامن في منتصف مايو2026، وهو الأول منذ عقد من الزمان باختصار، حيث انعقد المؤتمر العام السابع لحركة فتح في مدينة رام الله عام 2016 ،وسط حديث رسمي عن "إعادة ترتيب البيت الفلسطيني"، يرى مراقبون ومثقفون وسياسيون،أن الصراع على المواقع القيادية داخل حركة فتح يطغى على أجندة المؤتمر، بينما يغيب النقاش الجاد حول البرنامج الوطني لخدمة الشعب الفلسطيني. تتجلى أزمة الشرعية في هذا المؤتمر بوضوح، ففي ظل انقطاع الانتخابات منذ ما يقرب من عشر سنوات، لم تعد حركة فتح تقود مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير بشكل فعلي، بل تعتمد عليهما لتكريس شرعيتها في غياب مشروع وطني جامع. تداول أسماء مقربة من الرئيس الحالي لخلافته، في غياب انتخابات حرة، يعكس تخبطاً في آليات التداول السلمي للسلطة ويهيمن عليه منطق "المقربين" والحرس القديم. إن انعقاد المؤتمر يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا أفضى إلى تجديد حقيقي للأشخاص الفاعلين، ولكن الخطر الأكبر هو أن يتحول إلى "استحقاق تنظيمي" لا يغير من واقع الشعب الفلسطيني شيئاً وهو المتضرر الوحيد من هذا العبث السياسي . المحور الثالث: انهيار العقد الاجتماعي– غزة والضفة والقدس تناديكم. بينما تنشغل السلطة الفلسطينية، والفصائل بمعاركهم الداخلية سياسيا واقتصاديا لتجديد الثقة والنفوذ واختيار القيادة والمقربين لهم، يعيش الفلسطينيون أسوأ كارثة إنسانية في تاريخهم الحديث. في غزة، انكمش الاقتصاد بنسبة 87%، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 161 دولاراً سنوياً، ونسبة 95% من الأسر لا تستطيع الحصول على مياه آمنة صالحة للشرب،أو طعام للعيش، أو مكان للنوم وارتفاع البطالة في غزة بنسبة 77% في المائة، اغلبهم مهجرون قسراً يعيشون داخل الخيم الممزقة التي لا تحميهم من حر الشمس او من برد الشتاء، اضافة للأمراض المتنوعة والأوبئة وقلة توفر العلاج . أما في الضفة الغربية، الوضع لا يقل خطورة، حيث الاقتصاد يشهد أسوأ تدهور له، والبطالة تتفشى، والمستوطنون يمعنون في الأرض فساد،ويتوسع الاستيطان الاسرائيلي،والمال العام والخاص للمواطن البسيط المزارع يتم اخذه نهباً أوحرقاً من طرف المستوطنين بدعم من جيش الاحتلال الاسرائيلي. والأدهى أن (السلطة الفلسطينية)، تبدو عاجزة عن حماية مواطنيها ,أو توفير الخدمات الأساسية لهم, بل وتمنعهم من النضال والكفاح المسلح ضد الاحتلا ، او التصدي للمستوطنين، وتعمل فقط على تكثيف التنسيق الأمني مع اسرائيل وفق اتفاقية اوسلوا الهزيلة لعام 1994. أما في المخيمات الفلسطينية بالضفة الغربية، فالوضع كارثي بكل المقاييس؛ في مخيمات جنين، طولكرم، نور شمس، والفارعة تعرضت لحملات تدمير ممنهج من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث جرفت الجرافات الاسرائيلية الشوارع والبنية التحتية الفلسطينية، ودُمرت آلاف المنازل داخل هذه المخيمات، وهُجّر آلاف السكان قسراً في الضفة الغربية . هذه المخيمات الفلسطينية، التي كانت رمزاً للصمود والنضال والكفاح المسلح، تحولت إلى أرض محروقة، تفتقر إلى الكهرباء والماء والصرف الصحي . إن ترك هذه المخيمات مدمرة، وسكانها مشردين، هو انهيار كامل للعقد الاجتماعي مع الحكومة الفلسطينية ( التي تتحمل المسؤولية)، حيث فشلت السلطة في إعادة إعمار المخيمات، وفشل مجلس الأمن، والمجتمع الدولي في حمايتها من بطش الاحتلال، وانشغلت السلطة بصراعاتها مع الفصائل الفلسطينية عن أولوية إيواء المشردين وإعادة بناء ما هدمه الاحتلال في غزة والضفة. المحور الرابع: الطريق إلى عقد اجتماعي جديد – انتخابات شاملة وتجديد المؤسسات إن المخرج الوحيد من هذا المأزق المتعدد الأوجه هو إحياء (العقد الاجتماعي) ،من جديد عبر انتخابات شاملة، تفضي إلى تجديد كامل للدماء في مؤسسات الدولة الميتة منذ زمن عبر التالي: -انتخابات جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني، لأول مرة منذ تأسيسه عام 1964، يجب أن تشمل الانتخابات الفلسطينيين في الداخل والشتات، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، لضمان تمثيل المرأة والشباب والتجمعات في الخارج. -انتخابات جديدة رئاسية وتشريعية: لا بد أن تتبعها انتخابات رئاسية وتشريعية لاختيار قيادة جديدة للسلطة الوطنية والمجلس التشريعي، بتفويض شعبي واضح ينهي حالة الانقسام ويمنح الشرعية لمن يتولى إدارة المرحلة المقبلة. -تجديد منظمة التحرير الفلسطينية، يجب إعادة هيكلة المنظمة، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لتشمل جميع الفصائل والقوى السياسية التي تقبل ببرنامجها وايضاً التي ترفض البرنامج وعدم وضع شرط مسبق لدخول المنظمة واحترام حرية التعبير والأفكار والتعارض فيها وحولها، والتعلم من درس الحكومة الاسرائيلية المتطرفة التي لا تضع شرط على الأحزاب المتطرفة فيها بضرورة الاعتراف باتفاق أوسلو لعام 1994,او الاعتراف بالدولة الفلسطينية او الاعتراف بالقرارات الدولية الصادرة عن الامم المتحدة التي تخص فيها ومنها القرار رقم 181 الصادر عام 1947 والذي ينص على إقامة دولتين واحدة دولة فلسطينية والأخرى دولة ما يسمى اسرائيل . المحور الخامس: أولوية إعادة الإعمار – من غزة إلى المخيمات في الضفة. لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا لم يضع على رأس أولوياته إعادة إعمار غزة ومخيمات الضفة الفلسطينية في جنين ونابلس وطولكرم ونور شمس وغيرهما. إن رفع الأنقاض وحده من غزة، والتي تقدر بأكثر من 50 مليون طن من الردم والهدم، قد يستغرق 21 عاماً ويكلف 1.2 مليار دولار ،إلا إذا دخلت معدات جديدة وتعمل ليل نهار على ازالة الهدم. وفي مخيمات الضفة، الوضع لا يقل إلحاحاً، حيث يحتاج إعادة بناء آلاف المنازل والبنية التحتية المدمرة في جنين وطولكرم ونور شمس إلى خطة إنقاذ فورية. يجب أن يشكل ملف إعادة الإعمار حجر الزاوية في أي برنامج انتخابي جاد تنفذة الحكومة، من خلال: 1. حشد الدعم الدولي: وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، يحتاج قطاع غزة وحده إلى خطة إنعاش واعادة إعمار تتطلب أكثر من 70 مليار دولار. 2. تأسيس هيئة وطنية عليا للإعمار: تكون مهمتها إدارة الأزمة الإنسانية وتقديم الخدمات الأساسية وإعادة بناء المساكن والبنية التحتية في غزة والمخيمات بشكل عاجل وشفاف، بالتوازي مع العملية السياسية. 3. إنعاش الاقتصاد: إنهاء حالة التبعية الاقتصادية، وإيجاد فرص عمل لخريجين يعانون بطالة تقارب 50%، و78% في غزة وربما اقل منها البطالة في الضفة. خاتمة لقد آن الأوان لكسر حلقة "تقديس التنظيمات والأشخاص" التي أغرقت القضية الفلسطينية في مستنقع من الفشل والضياع. فبينما انشغلت حماس بترميم ذاتها بعد حرب الإبادة لعامين كاملين، وانشغلت فتح بمؤتمرها الثامن لتجديد الوجوه نفسها ودائرة المقربين ذاتها، (تُرك الشعب الفلسطيني وحيداً يواجه الجوع والعطش والتهجير القسري، وتُرك أهالي المخيمات في الضفة الغربية مشردين فوق أنقاض منازلهم المدمرة). هذا التفريط ليس مجرد فشل سياسي، بل هو انهيار كامل للعقد الاجتماعي بين الشعب ومن يدعي تمثيله من حكومة وقادة السلطة الفلسطينية . إن المخرج الوحيد يتمثل في إحياء هذا العقد من جديد، لا عبر الشعارات، بل عبر صناديق الاقتراع. انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة، ومجلس وطني جديد يمثل كل الفلسطينيين، ومنظمة تحرير مُعاد هيكلتها عبر الانتخابات وليس التكليف،هذه الإصلاحات ربما تضخ في مؤسسات الدولة الميتة دماً جديداً قادراً على تحمل المسؤولية. وأولى مسؤوليات هذه القيادة الجديدة يجب أن تكون وضع إعادة إعمار قطاع غزة ،ومخيمات الضفة على رأس الأولويات الوطنية، كشرط أساسي لاستعادة الثقة، ولبناء مستقبل يليق بتضحيات شعب يستحق الحياة والحرية والكرامة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس والتوصل إلى اتفاق سلام يضمن عدم اعادة تدمير ما تم تنفيذه من إعمار لقطاع غزة وكذلك مخيمات الضفة والحفاظ على هوية مدينة القدس وثقافتها العربية والإسلامية والمسيحية.
فرانس برس: قاض فرنسي سيفتح تحقيقا في مقتل جمال خاشقجي
فارس: إيران تدرس إدارة مضيق هرمز عبر نظام تأمين بحري خاص
اليوم 79..حرب إيران: تطور موقف ترامب من النووي واليورانيوم..والصين تتفاعل
مجلس الجامعة العربية الوزاري يدين اقتحام "بن غفير" للمسجد الأقصى
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 72,757 شهيد
💬 التعليقات (0)