أمد/ يأتي انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها التحولات الداخلية مع أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية منذ عقود، في ظل حرب مفتوحة على غزة، وتصاعد غير مسبوق في الاستيطان في الضفة الغربية، وتكريس سياسة الأمر الواقع القائمة على التهويد التدريجي، ومصادرة الأراضي، والتهجير القسري، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن يشكل هذا المؤتمر محطة مراجعة وطنية شاملة، وإعادة صياغة للنهج السياسي والتنظيمي، وبناء رؤية استراتيجية قادرة على مواجهة التحديات الوجودية، يلاحظ تصاعد “حمى الشعارات” لدى بعض الخطابات، التي تركز على عناوين الإصلاح، وتجديد الحركة، وتعزيز مكانة فتح، واستعادة الثقة الشعبية، دون أن تقترن هذه العناوين ببرامج تنفيذية واضحة أو قرارات قابلة للتطبيق على أرض الواقع. إن الخطر الحقيقي في مثل هذه اللحظات لا يكمن في الخطاب بحد ذاته، بل في تحويله إلى بديل عن الفعل السياسي، وفي استبدال الرؤية الاستراتيجية بشعارات تعبّر عن الأمنيات أكثر مما تعبّر عن القدرة على التغيير. واقع مأزوم يتطلب شجاعة سياسية لا شعارات إن الواقع الفلسطيني اليوم لا يحتمل الخطابات التقليدية، ولا يتحمل إعادة إنتاج نفس المفردات السياسية التي رافقت المرحلة الماضية دون نتائج ملموسة. فالمشهد على الأرض يزداد تعقيدًا:- توسع استيطاني متسارع يلتهم ما تبقى من الأرض الفلسطينية. اعتداءات ممنهجة من قبل المستوطنين تحت حماية الاحتلال. مشاريع تهويد ممنهجة في القدس والمناطق المصنفة (ج). سياسات تهجير قسري صامت عبر الهدم والمصادرة والتضييق. حصار مالي خانق وانهيار تدريجي في قدرة المؤسسات على أداء وظائفها. شلل في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات العامة. أزمة رواتب خانقة مرتبطة بحجز أموال المقاصة والاقتطاعات الإسرائيلية. أمام هذا الواقع، فإن المطلوب ليس مزيدًا من الخطابات الاحتفالية، بل قرارات شجاعة قابلة للتنفيذ، تعيد تعريف الأولويات الوطنية، وتضع حدًا لحالة التآكل السياسي والمؤسساتي. من الشعارات إلى الاستراتيجية الوطنية إن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الاستراتيجية الوطنية الشاملة، لأن استمرار التعامل مع التحديات الحالية بأدوات الماضي لم يعد مجديًا. فالمطلوب اليوم ليس فقط الحديث عن “تعزيز مكانة الحركة” أو “تجديد الخطاب”، بل صياغة استراتيجية وطنية واقعية تستند إلى: - مواجهة قانونية ودبلوماسية ممنهجة لمشاريع الاستيطان والضم. إعادة بناء وحدة القرار الوطني الفلسطيني على قاعدة الشراكة لا التفرد. تفعيل أدوات المقاومة الشعبية والسياسية والقانونية وفق رؤية موحدة. إعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية بوصفها أداة حماية للمشروع الوطني. فك الارتباط التدريجي مع منظومة التبعية الاقتصادية للاحتلال. حماية الوجود الفلسطيني على الأرض باعتباره جوهر الصراع. إن الاستراتيجية المطلوبة يجب أن تنطلق من إدراك أن القضية الفلسطينية تواجه خطر إعادة تشكيل شامل، لا مجرد أزمة سياسية عابرة، وأن بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه هو المعركة المركزية في هذه المرحلة. المؤتمر بين الفرصة الضائعة وإمكانية التصحيح كان يمكن للمؤتمر الثامن أن يشكل لحظة تاريخية لإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس جديدة، تقوم على النقد الذاتي، والمراجعة العميقة، وتحديد المسؤوليات، ووضع برامج تنفيذية واضحة، وتحديد مسار سياسي واقعي لمواجهة الاحتلال وسياساته. لكن أي مؤتمر يفقد قدرته على إنتاج قرارات قابلة للتطبيق، ويكتفي بتدوير الخطاب السياسي، يتحول من فرصة إصلاح إلى محطة إعادة إنتاج للواقع ذاته، مع تغييرات شكلية في العناوين لا تمس جوهر الأزمة. إن ما تحتاجه المرحلة ليس إعادة توزيع مواقع أو إعادة صياغة خطابات، بل إرادة سياسية حقيقية تعترف بحجم الخطر، وتملك الشجاعة لاتخاذ قرارات صعبة، قد تكون مكلفة سياسيًا، لكنها ضرورية ووجودية لحماية المشروع الوطني. بين خطاب العواطف وواقع التحديات إن الشعب الفلسطيني، الذي يواجه يوميًا مخاطر الاستيطان والتهجير والحصار، لم يعد معنيًا بالخطابات التي تدغدغ العواطف بقدر ما هو بحاجة إلى رؤية واضحة تترجم إلى أفعال ملموسة على الأرض. فالمعيار الحقيقي لأي خطاب سياسي اليوم لم يعد في بلاغته، بل في قدرته على: وقف التدهور المتسارع في الأرض والحقوق. تعزيز صمود الناس في مواجهة الاحتلال. حماية ما تبقى من الأرض الفلسطينية. استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسة. إنتاج قيادة وبرنامج وطنيين قادرين على مواجهة المرحلة. خاتمة: لحظة اختبار تاريخي إن المؤتمر الثامن لحركة فتح ليس مجرد حدث تنظيمي، بل محطة اختبار حقيقية لمدى قدرة الحركة والنظام السياسي الفلسطيني على مواجهة اللحظة التاريخية الراهنة. فإما أن يكون المؤتمر نقطة تحول نحو استراتيجية وطنية واقعية وجريئة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، أو يتحول إلى محطة جديدة في إعادة إنتاج ذات النهج، مع مزيد من الشعارات التي لم تعد تقنع شعبًا يعيش تحت الاستيطان والحصار والتهديد الوجودي اليومي. وفي كل الأحوال، فإن المرحلة لم تعد تحتمل التجميل السياسي أو إدارة الوقت، بل تتطلب شجاعة في القرار، ووضوحًا في الرؤية، وجرأة في مواجهة الحقائق، لأن القضية الفلسطينية اليوم ليست بحاجة إلى شعارات جديدة، بل إلى مشروع وطني قادر على الصمود والبقاء ومواجهة التهويد والضم ومصادرة الأرض قبل فوات الأوان.
فرانس برس: قاض فرنسي سيفتح تحقيقا في مقتل جمال خاشقجي
فارس: إيران تدرس إدارة مضيق هرمز عبر نظام تأمين بحري خاص
اليوم 79..حرب إيران: تطور موقف ترامب من النووي واليورانيوم..والصين تتفاعل
مجلس الجامعة العربية الوزاري يدين اقتحام "بن غفير" للمسجد الأقصى
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 72,757 شهيد
💬 التعليقات (0)