لم تكن مراسم رفع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، علم بلاده فوق مبنى السفارة السورية في الرباط مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل مثلت لحظة رمزية مكثفة تختصر مساراً طويلاً من التحولات السياسية. هذه الخطوة تعكس تغيراً عميقاً في الوعي والخيارات الاستراتيجية التي أعادت تشكيل ملامح المنطقة العربية بعد سنوات من الانكسارات والقطيعة.
تأتي عودة البعثة الدبلوماسية السورية إلى المغرب لتعلن بشكل ضمني نهاية حقبة اتسمت بالتوتر، وبداية مرحلة جديدة تختلف في خطابها وأهدافها. لسنوات طويلة، ظلت العلاقات بين البلدين رهينة لإرث سياسي ثقيل صنعه النظام السوري السابق، الذي وضع دمشق في مواجهة مباشرة مع المصالح المغربية العليا.
لقد كان انحياز دمشق السابق لأطروحات جبهة البوليساريو، وتقديم الدعم السياسي والإعلامي لها، يمثل بالنسبة للمغاربة مساساً صريحاً بوحدة مملكتهم الترابية. هذا الموقف حول العاصمة السورية لسنوات إلى منصة لدعم الحركات الانفصالية، ضمن شبكة تحالفات إقليمية ضمت أطرافاً راديكالية أدت في النهاية إلى عزلة دمشق.
وعلى الرغم من الخلاف السياسي الحاد مع النظام، إلا أن الرباط حرصت على التمييز بين موقفها من السلطة وعلاقتها بالشعب السوري. فمنذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011، تبنى المغرب موقفاً إنسانياً وأخلاقياً واضحاً، داعماً لتطلعات السوريين نحو التغيير والحرية بعيداً عن الحسابات الضيقة.
تبرز استضافة المغرب لمؤتمر 'أصدقاء سوريا' في عام 2012 كواحدة من أهم المحطات التي جسدت هذا الدعم، حيث جمعت الرباط عشرات الدول للاعتراف بحق السوريين في تقرير مصيرهم. لم يكن ذلك الاجتماع مجرد تظاهرة دبلوماسية، بل كان رسالة سياسية قوية ضد منطق العنف والحلول الأمنية التي انتهجتها السلطة آنذاك.
إنسانياً، فتح المغرب أبوابه لمئات العائلات السورية الفارة من ويلات الحرب، ووفر لهم فرص الإقامة والعمل والتعليم دون اعتبارهم عبئاً أمنياً. كما امتدت المبادرات المغربية إلى خارج الحدود عبر إقامة مستشفى ميداني في مخيم الزعتري بالأردن، لتقديم الرعاية الطبية اللازمة للاجئين السوريين في ظروفهم القاسية.
💬 التعليقات (0)