في الظاهر، تبدو الحكاية صغيرة إلى حد لا يستحق كل هذا القلق: مستوطنون يسرقون الأغنام في بعض قرى الضفة الغربية، يعتدون على الرعاة، أو يمنعونهم من الوصول إلى المراعي. أخبار تتكرر حتى كادت تتحول إلى مشهد اعتيادي في نشرات الأخبار، تمر سريعًا ثم تختفي وسط ضجيج الحرب والسياسة. لكن الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالخراف أبدًا. فحين تُقرأ هذه الحوادث ضمن السياق الأوسع لما يجري في الضفة الغربية، تبدو وكأنها جزء من سياسة أعمق بكثير، سياسة تقوم على دفع الفلسطيني تدريجيًا نحو الانفجار.
الخروف هنا ليس الهدف، بل الإنسان الذي يملكه. والمرعى ليس مجرد مساحة عشبية، بل آخر ما تبقى للفلسطيني من قدرة على البقاء فوق أرضه. في القرى الفلسطينية، خاصة في الأغوار وجنوب الخليل والتلال المعزولة، لا تشكل الأغنام مجرد مصدر رزق، بل تمثل حياة كاملة: الطعام، والدخل، والاستقرار، والشعور بأن لهذه العائلة مكانًا ما يزال قادرًا على الصمود. ولذلك فإن استهداف الرعاة وسرقة القطعان ليس فعلًا عشوائيًا أو جنائيًا معزولًا، بل جزء من عملية استنزاف طويلة تهدف إلى جعل الحياة الفلسطينية مستحيلة.
تبدأ العملية دائمًا بطريقة تبدو صغيرة وغير مثيرة للاهتمام. بؤرة استيطانية تظهر فوق تل قريب. طريق ترابي يُغلق. راعٍ يُمنع من الوصول إلى عين ماء. ثم تتصاعد الأمور: اعتداءات، تهديدات، إطلاق نار في الهواء، سرقة للمواشي، وحضور دائم للمستوطن المسلح بوصفه صاحب السلطة الفعلية في المكان. ومع الوقت، لا يعود الفلسطيني يخسر أرضًا أو مالًا فقط، بل يخسر الإحساس الطبيعي بالأمان. تصبح حياته كلها قائمة على التوتر والخوف والانتظار.
لكن ما يجعل الصورة أكثر خطورة أن هذه الاعتداءات لا تبدو منفصلة عن المناخ السياسي الذي تعيشه المنطقة منذ الحرب على غزة. هناك شعور متزايد بأن بعض القوى داخل إسرائيل ترى في اللحظة الحالية فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الضفة الغربية بالكامل، مستفيدة من انشغال العالم، والفوضى الإقليمية، وحالة الانهيار التي يعيشها النظام الدولي نفسه. وكأن الزمن تحول إلى عنصر في المعركة، سباق محموم لفرض وقائع جديدة قبل أن تتغير الظروف.
في هذا السياق، يصبح الاستفزاز سياسة قائمة بذاتها. الفلسطيني لا يُدفع فقط إلى التعب أو الإحباط، بل إلى لحظة الغضب القصوى. كل شيء يبدو وكأنه يتحرك في الاتجاه نفسه: الاقتحامات المتكررة، التوسع الاستيطاني، الإذلال اليومي على الحواجز، التضييق الاقتصادي، واعتداءات المستوطنين التي تتم غالبًا بلا محاسبة حقيقية. وحتى المسجد الأقصى لم يعد خارج هذه المعادلة، مع تصاعد الاقتحامات والاستفزازات التي يقودها سياسيون متطرفون مثل إيتمار بن غفير، في مشهد يبدو أقرب إلى اختبار دائم للأعصاب الفلسطينية.
وربما هنا تحديدًا تكمن الفكرة الأخطر: ليس فقط السيطرة على الفلسطيني، بل دفعه إلى الانفجار الكبير. فبعض التيارات اليمينية داخل إسرائيل تبدو وكأنها تراهن على انتفاضة فلسطينية شاملة، انتفاضة يخرج فيها الشارع كله دفعة واحدة، بما يسمح لاحقًا بتبرير رد فعل إسرائيلي أكثر عنفًا وجذرية. أي أن الانفجار نفسه قد يتحول إلى الأداة التي تُستخدم لإعادة رسم الواقع السياسي والأمني في الضفة الغربية.
💬 التعليقات (0)