واشنطن – سعيد عريقات-16/5/2026
رغم اللغة التفاؤلية التي أحاطت بالإعلان الأميركي عن جولة المحادثات بين إسرائيل ولبنان يومي 14 و15 أيار ، فإن الوقائع السياسية والميدانية لا توحي بأن المنطقة تقترب فعلاً من تسوية مستقرة أو سلام دائم. فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان رسمي، أن الاجتماعات التي استضافتها واشنطن كانت "مثمرة للغاية"، وأن وقف الأعمال العدائية المعلن في 16 نيسان سيتم تمديده 45 يوماً إضافية لإفساح المجال أمام المزيد من التقدم، على أن تُستأنف المفاوضات السياسية في الثاني والثالث من حزيران ، بالتوازي مع إطلاق مسار أمني في وزارة الدفاع الأميركية في 29 مايو بمشاركة وفود عسكرية من الجانبين.
لكن هذا الإعلان الرسمي لا يبدو مختلفاً كثيراً عن سلسلة طويلة من اللقاءات والتفاهمات والوساطات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، والتي انتهى معظمها إلى الفشل أو التعطيل أو الانهيار الكامل بفعل التعنت الإسرائيلي أولاً، والانقسام اللبناني الداخلي ثانياً، إضافة إلى غياب أي إرادة دولية حقيقية لفرض حلول عادلة ومتوازنة.
فالسياسة الإسرائيلية، كما خبرها اللبنانيون والفلسطينيون والعرب عموماً، لا تقوم على منطق التسوية المتوازنة، بل على إدارة الصراع وإدامة التفوق العسكري والأمني. الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعاملت مع أي مفاوضات باعتبارها أداة لكسب الوقت، أو لاحتواء الضغوط الدولية، أو لإعادة ترتيب الأولويات الأمنية، وليس كمدخل لإنهاء النزاعات جذرياً. ولذلك، فإن الحديث المتكرر عن "السلام الدائم" و"الاعتراف المتبادل" غالباً ما يصطدم بواقع الاحتلال والاعتداءات والانتهاكات اليومية التي تجعل أي حديث عن الاستقرار مجرد خطاب دبلوماسي منفصل عن الحقيقة على الأرض.
في المقابل، لا يبدو لبنان في وضع يسمح له بخوض مفاوضات متماسكة أو فرض رؤية وطنية موحدة. فالدولة اللبنانية تعاني انقسامات سياسية عميقة، ومؤسسات مترهلة، وأزمة اقتصادية خانقة، إضافة إلى تضارب واضح في مقاربة ملف العلاقة مع إسرائيل بين القوى السياسية المختلفة. هذا التفكك البنيوي يجعل أي مسار تفاوضي هشاً بطبيعته، ومعرضاً للانهيار عند أول اختبار سياسي أو أمني.
كما أن التجارب السابقة لا تشجع على التفاؤل. فمن تفاهم نيسان عام 1996، إلى القرار 1701 بعد حرب تموز 2006، مروراً بعشرات الاجتماعات الأمنية والوساطات الدولية، لم تنجح أي من تلك المبادرات في إنتاج استقرار دائم على الحدود اللبنانية الفلسطينية. بل إن إسرائيل استمرت في خرق الأجواء اللبنانية، وشن الاعتداءات، وتهديد البنية التحتية اللبنانية، فيما بقي المجتمع الدولي عاجزاً عن إلزامها بأي احترام فعلي للقانون الدولي أو للقرارات الأممية.
💬 التعليقات (0)