تتجاوز آثار الحروب والصراعات الدمار المادي والاقتصادي لتطال البنية النفسية والأخلاقية للإنسان، وهو ما يتجلى بوضوح في الحالة السورية. إن الجيل الذي تفتحت مداركه وسط أصوات المدافع وفوضى السلاح يواجه اليوم أزمة هوية وانتماء، حيث تشكل وعيه بعيداً عن مؤسسات الدولة والأسرة والمدرسة، مما جعل من قوانين الغابة والقوة البديلة للحق والمنطق.
إن من كان طفلاً في بداية الأحداث السورية بات اليوم شاباً في مقتبل العمر، لكنه يحمل إرثاً ثقيلاً من سنوات التكوين التي خلت من منظومات الردع والقيم العامة. هذا الواقع أنتج سلوكيات عدائية تظهر بوضوح في الفضاء الرقمي، حيث يسود خطاب التخوين والشتائم والاستهانة بالقيم، وهو ما يعكس اضطراباً اجتماعياً عميقاً يتجاوز مجرد كونه 'تنفيسًا' عن الغضب أو ممارسة لحرية التعبير.
تكمن الخطورة الكبرى في تحول هذا الجيل من ضحية للظروف إلى منتج للفوضى إذا لم يتم تدارك الأمر عبر برامج إعادة تأهيل حقيقية. إن التبرير المستمر لهذه السلوكيات بذريعة 'ظروف الحرب' يساهم في إزالة الحواجز النفسية أمام الانحدار الأخلاقي الكامل، ويجعل من الجريمة والوقاحة أمراً مقبولاً سياقياً، مما يعيق أي فرصة لبناء مجتمع صالح للإعمار في المستقبل.
إن الحل لا يتوقف عند الوعظ الأخلاقي، بل يتطلب تدخلاً مؤسساتياً حازماً يعيد الاعتبار للقانون كمرجعية وحيدة لا تقبل التفاوض. التجارب الدولية في دول مثل البوسنة والعراق تؤكد أن تجاهل الأثر النفسي والاجتماعي للحروب يؤدي حتماً إلى موجات عنف متجددة، لذا فإن المعركة الحقيقية اليوم تكمن في إعادة تعريف 'الطبيعي' بوصفه النظام والمسؤولية، وليس الفوضى والاستباحة.
💬 التعليقات (0)