أمد/ لم يعد الإعلام في زمن الحروب مجرد ناقلٍ للأحداث، بل تحول إلى شريك مباشر في إدارتها، وعنصر مؤثر في مساراتها ونتائجها. فإن الطرف الذي ينجح في تثبيت روايته داخل الوعي العام، داخلياً وخارجياً، يحقق مكسباً لا يقل أهمية عن أي تقدم ميداني. فالرواية لم تعد مجرد تفسير لما يحدث، بل أصبحت جزءاً من الحدث ذاته، ووسيلة للتأثير في الروح المعنوية، وكسب التعاطف، وإرباك حسابات الخصم، بل والتأثير أحياناً في مواقف الحكومات وصناع القرار. وقد شهدت أدوات التأثير الإعلامي تحولاً جذرياً خلال السنوات الأخيرة. فلم تعد البيانات الرسمية أو القنوات التقليدية وحدها هي التي تشكل وعي الجمهور، بل تقدمت إلى الواجهة أدوات أسرع وأكثر قدرة على الانتشار، مثل الفيديوهات القصيرة، والتسريبات، والبث المباشر، والحسابات المجهولة، وحملات التضليل المنظمة. وتشير تقديرات دولية إلى أن أكثر من 65% من الجمهور العالمي بات يحصل على أخباره العاجلة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بينما يتجاوز عدد مستخدمي هذه المنصات عالمياً خمسة مليارات مستخدم، وهو ما جعل الفضاء الرقمي الساحة الأكثر تأثيراً في تشكيل الإدراك الجمعي أثناء الأزمات والحروب. وجاءت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة (ومعها إسرائيل) ضد إيران، لتكشف بوضوح حجم التحول في طبيعة المعارك الإعلامية. ففي الساعات الأولى للتصعيد، انتشرت مئات المقاطع المصورة التي قيل إنها توثق ضربات دقيقة داخل العمق الإيراني أو الإسرائيلي، قبل أن يتبين لاحقاً أن جانباً منها يعود إلى نزاعات قديمة أو جرى تعديله باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. ورغم ذلك، كانت هذه المواد قد حققت هدفها بالفعل: صناعة انطباع أول سريع يصعب تغييره لاحقاً، حتى بعد انكشاف عدم دقته. وهنا تكمن خطورة «اللحظة الأولى» في الحروب الحديثة، فالدراسات الإعلامية تشير إلى أن الانطباع الأول الذي يتلقاه الجمهور يبقى الأكثر رسوخاً، حتى لو ظهرت لاحقاً معلومات تناقضه. ولذلك أصبحت السرعة أحياناً أكثر أهمية من الدقة، وتحولت المنافسة من «من يملك الحقيقة؟» إلى «من يفرض روايته أولاً؟». وفي المقابل، ظهرت روايات مضادة ركزت على تضخيم خسائر الجانب الإسرائيلي، وتداولت أخباراً عن استهداف شخصيات عسكرية وأمنية بارزة، أو اختراقات نوعية غير مؤكدة. وانتشرت هذه الروايات عبر آلاف الحسابات بصورة متزامنة، بما يعكس وجود حملات منظمة للحرب النفسية، تستهدف التأثير في الداخل قبل الخارج، ورفع تكلفة الحرب معنوياً وسياسياً. ولم تتوقف هذه المعارك عند حدود أطراف الصراع المباشر، بل امتدت إلى الفضاء العربي، حيث ظهرت محاولات مكثفة لبث روايات تستهدف إثارة الشكوك بين الدول العربية، وتضخيم التباينات السياسية، والزج بأسماء دول بعينها في سيناريوهات غير دقيقة. كما تصاعدت حملات تستدعي الانقسامات المذهبية والهوياتية، في محاولة لإعادة إنتاج الاستقطاب داخل المجتمعات العربية، بما يخدم مصالح القوى المنخرطة في الصراع الإقليمي. ومن أبرز ملامح هذه الحرب أيضاً، تصاعد دور «اللجان الإلكترونية» والحسابات المنظمة، التي باتت تمثل جيوشاً رقمية موازية للجيوش التقليدية. وتشير تقارير متخصصة إلى أن بعض الحملات الرقمية خلال الأزمات الكبرى تُدار عبر عشرات الآلاف من الحسابات الوهمية أو شبه الآلية، التي تعمل على إعادة نشر الرسائل نفسها بصورة مكثفة خلال دقائق، بهدف صناعة «تريند» مصطنع يمنح الرواية المتداولة مظهراً زائفاً من الشعبية والمصداقية. وساعدت خوارزميات المنصات الرقمية على تضخيم هذا التأثير، إذ تميل بطبيعتها إلى دفع المحتوى الأكثر إثارة وغضباً وتفاعلاً، بغض النظر عن دقته أو مصداقيته. وتشير دراسات منشورة في الولايات المتحدة وأوروبا إلى أن الأخبار المضللة تنتشر عبر منصات التواصل أسرع بما يقارب ست مرات من الأخبار الدقيقة، خاصة في أوقات الأزمات والحروب، حيث يرتفع التفاعل العاطفي وينخفض مستوى التحقق النقدي لدى الجمهور. ولعل أخطر ما كشفته هذه الحرب، أن السيطرة على المجال الإعلامي لم تعد حكراً على الدول أو المؤسسات الكبرى. فاليوم يستطيع مقطع مصور لا تتجاوز مدته ثلاثين ثانية، أو حساب مجهول على إحدى المنصات، أن يربك أسواقاً، ويؤثر في اتجاهات الرأي العام، ويخلق حالة ذعر أو تعبئة سياسية خلال ساعات قليلة. وفي خضم الحرب على إيران، بدا واضحاً أن «اختطاف الميديا» كان هدفاً استراتيجياً لدى جميع الأطراف، حيث سعى كل طرف إلى فرض سرديته باعتبارها الحقيقة الكاملة. لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نجح بوضوح في السيطرة على المشهد الإعلامي العالمي طوال الأزمة، عبر سيل متواصل من التصريحات والتغريدات والمواقف المتناقضة، أبقت الرأي العام العالمي في حالة متابعة دائمة، مستفيداً من خبرته الطويلة في إدارة المعارك الإعلامية. وفي المقابل، حاولت إيران تقديم رواية تقوم على «الصمود» أكثر من «الانتصار»، لكنها عانت من غياب الشفافية بشأن حجم خسائرها الحقيقية. ومع ذلك، فإن قدرتها على الاستمرار وعدم الانهيار السريع منحتها قدراً من التعاطف الدولي، انطلاقاً من الميل الإنساني التقليدي للتعاطف مع الطرف الأضعف القادر على الصمود. وربما تكشف المفارقة الأهم أن الرواية الأمريكية حول تدمير القدرات الإيرانية بالكامل بدأت تواجه تشكيكاً داخل الإعلام الأمريكي نفسه، بعدما تحدثت تقارير غربية عن استعادة طهران ما بين 70 و75% من قدراتها التسليحية خلال فترة قصيرة، بما يؤكد أن معركة الإعلام لم تكن أقل تعقيداً من المواجهة العسكرية نفسها. إن ما جرى خلال «حرب الخليج الرابعة» يؤكد أن الجبهات لم تعد مرئية بالمعنى التقليدي، وأن الميدان لم يعد وحده ساحة الحسم. فهناك جبهة أخرى تتحرك في فضاء مفتوح، تتقدم فيها الروايات أحياناً على الصواريخ، وتُختبر فيها ردود الفعل قبل أن تتحرك الجيوش. وفي مثل هذه الحروب، قد لا يكون أخطر ما يُستهدف هو الأرض أو المنشآت العسكرية، بل وعي المجتمعات نفسها. فحين تختلط الحقائق بالشائعات، وتتشابك المعلومات الدقيقة مع حملات التضليل، يصبح من الصعب التمييز بين ما يحدث فعلاً وما يُراد للناس أن يعتقدوا أنه يحدث.. وهنا تحديداً تبدأ أخطر مراحل الصراع.
رئيس الوزراء اللبناني يهاجم "المغامرات العبثية" ويرفض تسمية الدمار بالانتصار
الخارجية الأميركية: تمديد الهدنة بين إسرائيل ولبنان لمدة 45 يوماً
أمريكا تدرس مطالبة إسرائيل بتخصيص أموال المقاصة الفلسطينية لمجلس السلام
اليوم 78..حرب إيران: طريق إسلام آباد لا زال مغلقا..وترامب يهدد من بكين وجبهة لبنان ساخنة
نتنياهو وكاتس: استهداف مسؤول حماس العسكري عزالدين الحداد في غزة - فيديو
💬 التعليقات (0)