في زاوية من ذاكرة اللجوء بمدينة الخليل، لا يزال الحاج أبو أسامة النجار يحتفظ بمفتاح قديم وقارورة تراب كأغلى مقتنياته التي حملها من بلدة الفالوجة المهجرة. يرى الحاج أن هذه الأشياء ليست مجرد ذكريات من الماضي، بل هي صك ملكية لوطن غادره جسداً وبقي فيه روحاً، مؤكداً بيقين لم تهزه العقود أن العودة باتت قريبة.
يجلس المسن الفلسطيني مستنشقاً رائحة التراب التي جمعها من أرضه، في مشهد يختزل حكاية ملايين اللاجئين الذين يرفضون نسيان قراهم الأصلية. وبالنسبة لأبو أسامة، فإن الفالوجة لم تتحول يوماً إلى مجرد اسم في كتب التاريخ، بل هي حياة مؤجلة ينتظر استئنافها خلف ذلك الباب الذي أغلق قبل ثمانية عقود.
على مقلب آخر من المعاناة في الخليل، تتجسد النكبة بصورتها الحديثة فوق ركام المنازل المهدمة، حيث يجلس المواطن أبو أنس محاطاً بأحفاده يروي لهم حكاية التهجير الأول. لم يعد الحديث هنا عن ماضٍ بعيد، بل عن واقع مرير يعيشه الأطفال وهم يشاهدون غرفهم التي كانت تضج بالحياة وقد تحولت إلى أكوام من الحجارة المتناثرة.
يصف أبو أنس ما تمر به عائلته بأنه نكبة دائمة ومستمرة، مشيراً إلى أن الاحتلال لم يكتفِ بهدم المنزل بل منعهم حتى من الاستقرار في خيام بسيطة فوق ركامهم. وقد نصبت العائلة أربع خيام متتالية تعرضت جميعها للمصادرة والمنع، في محاولة واضحة لاقتلاعهم من الأرض ومنع أي شكل من أشكال الصمود.
وسط هذا الركام، يحاول الأطفال ممارسة طفولتهم بلعب كرة القدم، بينما يرفرف علم إسرائيلي في الخلفية ليذكرهم بوجود الاحتلال في كل تفصيل من حياتهم. هذا التناقض الصارخ يلخص حياة الفلسطيني الذي يحاول انتزاع الفرح من قلب الدمار، متحدياً سياسات المحو والتهجير القسري التي لا تتوقف.
في مخيم العروب، تتخذ المعاناة شكلاً مختلفاً يتمثل في الحصار اليومي والقيود المشددة على الحركة، حيث يضطر الشاب ثائر الشريف لعبور خمس بوابات عسكرية للوصول إلى عمله. يصف ثائر حياته بأنها رحلة عبور شاقة داخل معتقل كبير، حيث يودع أصدقاءه يومياً بطلب الدعاء قبل مواجهة إجراءات التفتيش والانتظار الطويل.
💬 التعليقات (0)