يستعيد الحاج التسعيني محمد مدوخ ذاكرة تمتد لثمانية عقود، متنقلاً بين نكبتين رسمتا ملامح حياته المليئة بالاقتلاع. فمن طفل يركض هرباً من قذائف يافا عام 1948، إلى شيخ يواجه آلة الإبادة بجسده النحيل في غزة اليوم، يجسد مدوخ مأساة شعب لا يزال يبحث عن مستقره.
في فناء منزله الذي رفض مغادرته، يحمل مدوخ ثقل ذكريات مدينة يافا التي ولد فيها عام 1935. يقول بحسرة إن الصمود في الأرض كان كفيلاً بتغيير مجرى التاريخ وتجنيب الأجيال عقوداً من الشتات والضياع في المنافي.
يروي الحاج تفاصيل الأول من مايو عام 1948، حين بدأت عروس البحر تتهاوى تحت وطأة القصف العنيف. يتذكر ارتباك الناس وازدحام الطرقات بالهاربين، ورحلة السير الشاقة التي استمرت أربع ساعات متواصلة مع عائلته المكونة من عشرة أفراد حتى وصلوا إلى قطاع غزة.
لا تزال كلمات والده لأمه في لحظة الخروج عالقة في ذهنه: 'غيار واحد لكل ولد إن شاء الله كم يوم وحنرجع'. تلك الكلمات التي كانت تمني النفس بعودة قريبة، تحولت إلى بداية لمنفى طويل لم ينتهِ فصولاً حتى اللحظة.
وعند المقارنة بين الماضي والحاضر، يؤكد مدوخ أن ما جرى في النكبة الأولى لا يقارن بحجم الفظائع التي شهدتها حرب الإبادة الحالية. ورغم كل التهديدات، أصر 'أبو مروان' على البقاء في منزله بغزة، رافضاً تكرار تجربة النزوح المريرة مرة أخرى.
وفي مشهد موازٍ، يعيش المسن عطية الطيبي، المهجر من قرية الجية، فصول اللجوء من جديد داخل خيمة بائسة. الطيبي الذي قذفت به النكبة طفلاً إلى الخيام، يجد نفسه اليوم كهلاً فقد قدمه وبصره جراء العدوان المستمر على القطاع.
💬 التعليقات (0)