لم تكن النكبة الفلسطينية مجرد محطة عابرة في تاريخ الصراع، بل تحولت إلى مأساة ممتدة تتوارثها الأجيال، حيث يعيد التاريخ نفسه اليوم في قطاع غزة بذات التفاصيل المؤلمة. بين جيل شهد التهجير الأول من القرى والمدن عام 1948، وجيل يعيش نزوحاً قسرياً تحت وطأة القصف المستمر، تتوحد الرواية ويظل طريق الخوف واحداً.
يروي المهندس حسني إبراهيم تفاصيل خروجه القسري من قرية الجية أواخر عام 1947، حين بدأت العصابات الصهيونية هجماتها على القرى المجاورة. يتذكر حسني كيف كانت أصوات الرصاص وأعمدة الدخان تقترب من بيوتهم، مما دفع العائلات للرحيل ظناً منهم أن الغياب لن يطول لأكثر من أيام معدودة.
بدأت رحلة التيه من الجية نحو قرية نعليا، حيث قضت العائلة خمسة أشهر من القلق والترقب قبل أن يشتد الخطر ويجبرهم على الرحيل مجدداً. جمع الأب ما استطاع حمله على عربة يجرها حمار، وانطلقت الأسرة نحو المجهول هرباً من الموت الذي كان يلاحقهم في كل خطوة.
يتذكر المهندس حسني، الذي كان طفلاً آنذاك، سيره منهكاً على شاطئ البحر باتجاه غزة وهو يصرخ من الجوع والتعب. كانت كلمات والده المشجعة هي الوقود الوحيد لاستكمال الطريق، حتى وصلوا إلى منطقة السودانية شمال القطاع وهم في حالة من الإعياء الشديد.
في لحظة لا تزال محفورة في ذاكرته، خبزت الأم القليل من الطحين على نار الحطب ليقتاتوا عليه مع البصل والملح. يصف حسني تلك الوجبة البسيطة بأنها كانت تبدو كوليمة عظيمة بعد أيام من الحرمان، وهي تفاصيل تتشابه بشكل مذهل مع ما يعيشه نازحو غزة اليوم.
لم تتوقف المأساة عند النزوح، فخلال وجودهم في دير البلح، شنت الطائرات غارة عنيفة أدت لاستشهاد أكثر من 400 شخص في سوق المدينة. كان من بين الضحايا زوج عمة حسني، في مشهد حول المكان إلى ساحة من الدمار والصراخ، ليعيد للأذهان المجازر التي ترتكب حالياً بحق المدنيين.
💬 التعليقات (0)