أمد/ لا يمكن للضمير الإنساني وهو يراقب المشهد الفلسطيني أن يفصل بين ما جرى في العام 1948 وما يتجلى ببشاعة غير مسبوقة منذ السابع من أكتوبر 2023 فالمسافة الزمنية بين التاريخين لا تعني قطيعة معرفية أو أخلاقية بل تؤكد وحدة عضوية لمشروع استعماري إحلالي واحد قوامه المحو والإلغاء. في النكبة الأولى طُهّر عرقياً ما يربو على 957 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون كانوا يقيمون في 1300 قرية ومدينة وسيطر الاحتلال على 774 تجمعاً سكنياً دُمرت 531 منها بالكامل وارتكبت العصابات الصهيونية ما يزيد على 70 مجزرة أفضت إلى مقتل 15 ألف فلسطيني. أما في النكبة الثانية المستمرة حتى يومنا هذا فقد تجاوز عدد الضحايا في قطاع غزة وحده 73 ألف شهيد غالبيتهم الساحقة من الأطفال والنساء إضافة إلى نحو مليوني نازح من أصل 2.2 مليون إنسان حُشروا في رقعة جغرافية تحولت بفعل آلة الحرب الإسرائيلية إلى أرض خراب غير صالحة للعيش.
إن الفارق النوعي بين النكبتين لا يكمن في ضخامة الأرقام وحدها رغم أن شهداء حرب الإبادة الأخيرة وحدهم يمثلون أكثر من 50% من إجمالي ضحايا الصراع منذ عام 1948 بل يكمن أساساً في طبيعة المنظومة الدولية التي أحاطت بكل منهما. لقد وقعت نكبة 1948 في زمن كانت فيه الشرعية الدولية فتية غضة والمؤسسات الأممية في طور التكون فيما تُرتكب النكبة الجديدة على مرأى ومسمع من محكمة العدل الدولية التي وجدت أن ثمة "خطراً حقيقياً ووشيكاً" لضرر لا يمكن إصلاحه يلحق بالفلسطينيين ومن محكمة جنائية دولية أصدرت مذكرات اعتقال بحق رئيس وزراء إسرائيل ووزير دفاعه السابق بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ومع ذلك تتواصل المجزرة بلا رادع حقيقي.
تتجلى الطبيعة المركبة للمأساة المعاصرة في البعد القانوني والفلسفي لمفهوم "التشريد المزدوج" الذي يعيشه الفلسطيني اليوم فلم يعد التهجير مجرد اقتلاع مادي من المكان كما حدث في عام 1948 بل صار عملية مركبة تجمع بين التدمير الممنهج للبنية الحياتية وبين محاولة سحق فكرة العودة ذاتها. ففي غزة تم تدمير ما يزيد على 102 ألف مبنى بشكل كلي وخرج 25 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة كما استشهد 1701 من الطواقم الطبية في استهداف متعمد يجسد ما يمكن تسميته بـ "إبادة شروط الحياة" وهو مصطلح يتجاوز مفهوم القتل المباشر إلى هدم أسس البقاء الإنساني ذاتها. أما التشريع الإسرائيلي الأخير الذي يسعى لتجريد الأونروا من حصاناتها وصلاحياتها فيكشف عن إرادة سياسية مبيتة لإنهاء ليس فقط الوجود الفلسطيني الآني بل أيضاً بنية الشاهد المؤسسي على جريمة 1948 فالأونروا ليست مجرد وكالة إغاثة بل هي الذاكرة الحية لحق العودة.
وإذا كان من عبرة تستخلص من امتداد النكبة عبر قرن من الزمان فهي أن المشروع الصهيوني وقد راهن على تقادم الزمن وموت الذاكرة اصطدم بإرادة جمعية ترفض الانصياع لمنطق النسيان. فبعد أن كان عدد الفلسطينيين في العالم عند النكبة الأولى 1.4 مليون نسمة أصبحوا اليوم 15.5 مليوناً منهم 7.4 ملايين صامدون في فلسطين التاريخية في تحد ديموغرافي ينسف نظرية "أرض بلا شعب" التي قام عليها الكيان. إن النكبة إذن ليست مجرد حدث تاريخي منقضٍ ولا مجرد كارثة إنسانية راهنة بل هي حالة وجودية دائمة تختبر جوهر المنظومة الأخلاقية والقانونية الدولية فإما أن تثبت هذه المنظومة أن العدالة ليست شعاراً يُرفع في خطابات المناسبات وإما أن تُكتب شهادة وفاة الضمير العالمي على أيدي أولئك الذين يختارون الصمت إزاء مشهد الإبادة المتلفز يومياً.
ترامب: لا ممانعة في تعليق برنامج إيران النووي لـ 20 عاماً بشرط "الالتزام الحقيقي"
حديث متصاعد عن انسحاب نتنياهو من الانتخابات: شعارات جوفاء وقضايا فساد
💬 التعليقات (0)