تمثل الإدارة المحلية أسلوباً من أساليب التنظيم الإداري يقوم على تقسيم الدولة إلى وحدات إدارية تهدف إلى توزيع الوظيفة الإدارية بين السلطة المركزية في الدولة وبين وحدات الإدارة المحلية على أساس إقليمي؛ لتباشر ما يعهد إليها تحت رقابة هذه السلطة. عادة تتكون التقسيمات الإدارية من قسمين، الأول: على المستوى الجهوي المتمثل بالمحافظة/ الولاية، والثاني: على مستوى الجماعات السكانية المتمثل بالهيئات المحلية "البلديات والمجالس القروية". وفقاً للتقسيمات المعتمدة في الدولة بما يعزز تماسك الحكم، ويضمن الشمولية الوظيفية ما بين جميع الجهات الجغرافية والحكومة المركزية.
لقد تجنب لجنة صياغة الدستور في مسودة الدستور الحديث عن التقسيم الإداري على مستوى المحافظات، واكتفت بالحديث عن الهيئات المحلية مما ترك جانب مهم من التقسيمات الإدارية دون مرجعية دستورية.، وقد جاء الباب الثامن على مادة واحدة فقط (المادة 144) وهي ذات المادة 85 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل تقريبا، مع إزالة الإشارة الضمنية فيها المتعلقة بالمحافظات الأمر الذي يكرس الامر القائم بتبعية المحافظين للرئيس دون قانون، والغت التطور الهائل الذي جرى على هذا القسم من الحكم المحلي على المستوى العالمي والإقليمي؛ كأنها تسير عكس تيار التطور العالمي لنظام الحكم.
شهدت العقود الماضية اهتماماً عالميًا متزايدًا بموضوع اللامركزية بأبعادها الثلاثة السياسية والإدارية والمالية وبأشكالها المختلفة من الفِدْرَالِيَّة، والحكم الذاتي إلى الحوكمة المحلية، والحكم المحلي، والإدارة المحلية. وقد جاء هذا الاهتمام في إطار الاتجاه إلى توسيع نطاق مشاركة المواطنين وتعاونهم بقضايا الادارة المحلية والشؤون التنموية ذات المساس بحياتهم ومنطقتهم، ودورهم في عملية الحوكمة، ومنح الإدارة المحلية على مستوى التقسيمات الجهوية دوراً أكبر في عملية التنمية. تبلور التوجه نحو انتخاب أعضاء المجالس المحلية والمحافظين، وفي نقل المزيد من الاختصاصات والسلطات إلى الوحدات المحلية، وفي تبني قيم المساءلة والشفافية والمشاركة، وسيادة القانون، وفي زيادة نسبة الإنفاق المحلي إلى إجمالي الإنفاق العام. وتطوير دور الوحدات المحلية في تقديم الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وإسكان وثقافة وأمن وتنمية اقتصادية، أي أن الحكومة المركزية تشرف على التنمية بدلا من الإدارة.
كما أن هذا التوجه يمنح المزيد من مشاركة المواطنين في إدارة الشؤون المحلية لهدفين رئيسيين؛ الأول: يتعلق بتطوير التنمية السياسية كبناء القيادات الشابة من خلال التجارب المتعددة التي يخوضونها في إدارة الحكم المحلي بما يشمل تدريب المواطنين وتثقيفهم على اتباع المفاهيم الديمقراطية والشعبية وعلى أساليب الحكم والإدارة الحديثة، والتعاون على حل مشاكلهم بأنفسهم، وتفعيل المساءلة السياسية فيها وتقريب السلطة إلى المواطنين، والثاني تعميق الملكية لدى سكان المناطق المختلفة في تحقيق التنمية المحلية، حيث أشارت تجارب عديدة إلى أن التنمية التي تتحقق من خلال المجالس المحلية والمواطنين المحليين تتمتع بالديمومة.
أظهرت تجارب الدولة العربية أن التطور الذي حصل بها في مسألة التقسيمات الإدارية مبني على خمسة مسائل رئيسية تتمثل بما يلي: المسألة الأولى؛ انتخاب مجلس المحافظة كلياً أو جزئياً/ كما هو الحال في الأردن، كجسم يدير شؤون المحافظة "مجلس المحافظة" أو انتخاب مجلس للمحافظة "برلمان" يتولى الرقابة والمساءلة على أعمال الإدارة المحلية بما فيها إدارات الدولة المحلية، كما هو الحال في مصر. والمسألة الثانية: حجم الصلاحيات والمهام الموكلة للمجلس المنتخب حيث أولت الإصلاحات في المغرب صلاحيات واسعة للمجلس المنتخب في خطط التنمية المحلية وإقرارها. والمسألة الثالثة: تقوم على حجم المشاركة أو تبني أساليب الديمقراطية التشاركية وأدواتها بما يمنح تعاون واسع ومنتظم لمشاركة منظمات المجتمع المدني. والمسألة الرابعة: الإبقاء على نمط تعيين المحافظ/ الوالي بيد السلطة التنفيذية المركزية في العاصمة، لكن التجربة العراقية تفيد بأن مجلس المحافظة المنتخب هو من يختار المحافظ سواء كان عضوا في المجلس المنتخب أو من خارجة وتصادق الحكومة على تعيينه. والمسألة الخامسة: مرجعية المحافظين للحكومة ورئيسها حتى وان كان التعيين يأتي من رئيس الدولة، ووضع بعض المعايير لآليات التعيين قائمة على الشراكة بين الأطراف في السلطة التنفيذية الرئيس والحكومة.
💬 التعليقات (0)