تثير ظاهرة الحنين الشعبي للأنظمة التي وُصفت لعقود بالقمع والبطش تساؤلات عميقة حول سيكولوجية الشعوب بعد الثورات. فما إن تسقط الأنظمة السلطوية وتدخل البلاد في دوامة من الاضطرابات، حتى يبدأ البعض بالترحم على عهود كانت توصف بالسوداوية.
شهدت دول مثل ليبيا والعراق ومصر درجات متفاوتة من هذا الحنين، حيث تحول رموز النظام السابق في نظر شريحة من الناس من أدوات قمع إلى شخصيات تحظى بالتقدير. هذا التحول لا يرتبط فقط بالرغبة في الاستقرار، بل يمتد إلى إعادة تلميع شخصيات تورطت مباشرة في انتهاكات حقوق الإنسان.
في الحالة الليبية، يبدو المشهد أكثر تعقيداً وحدة، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على الحنين لرأس النظام، بل شمل أدواته التنفيذية. ورغم وجود تسجيلات توثق التحريض على العنف ضد المدنيين، إلا أن بعض هذه الشخصيات تُستقبل اليوم في بعض المدن استقبال الفاتحين.
سجلت العاصمة طرابلس مؤخراً واقعة صادمة خلال مراسم الإعلان عن التقرير السنوي لهيئة الرقابة الإدارية. حيث جرى تكريم شخصيات ارتبطت بتاريخ دموي إبان حقبة العقيد معمر القذافي، وقُدمت للجمهور بوصفها رموزاً وطنية ساهمت في بناء مؤسسات الدولة.
من أبرز الأسماء التي أثارت الجدل كان عبد القادر البغدادي، المتهم بالمساهمة في سياسات السجن والترهيب وقمع الحركة الطلابية في السبعينيات. ويعد هذا التكريم مؤشراً خطيراً على محاولة غسل سمعة رموز الحقبة السابقة وتجاوز تضحيات الحركات الاحتجاجية.
أما الصدمة الكبرى فتمثلت في تكريم هدى بن عامر، المعروفة بلقب 'الشناقة'، والتي ارتبط اسمها بالإعدامات العلنية في بنغازي. لا تزال صورة تعلقها بجسد الشهيد الصادق الشويهدي أثناء شنقه محفورة في الذاكرة الليبية كأحد أبشع مشاهد القمع السياسي.
💬 التعليقات (0)