إن مجرد طرح مشروع قانون ينص على أن الاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية "لن تكون ملزمة لدولة إسرائيل أو لأي جهة تمثلها"، ليس مجرد خطوة إجرائية داخل برلمان يميني، بل هو إعلان عن تحول عميق في العقل السياسي الإسرائيلي؛ تحول يقوم على الاعتقاد بأن الزمن الذي كانت فيه إسرائيل بحاجة إلى "عملية سلام" قد انتهى، وأن ميزان القوة الحالي يسمح لها بإعادة تعريف الصراع من جديد وفق شروطها الخاصة.
مشروع القانون لا يكتفي بإلغاء الاعتراف بالاتفاقيات، بل يقترح أيضا إزالة كامل البنية التشريعية التي قامت لتنفيذها، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل توقيع أوسلو عام 1993. وهذه العبارة تبدو للوهلة الأولى تقنية أو قانونية، لكنها في الحقيقة تحمل أبعادا انفجارية هائلة. فإعادة الوضع إلى ما كان عليه تعني، وفق القانون الدولي نفسه، أن إسرائيل تعود بصفتها قوة احتلال مباشرة مسؤولة عن الأراضي الفلسطينية المحتلة وسكانها بصورة كاملة، لا انتقائية.
لم تعد دعوات بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير لإلغاء اتفاقيات أوسلو مجرد خطاب سياسي داخلي، بل تعبير عن قناعة متزايدة داخل التيار الحاكم في إسرائيل بأن الاتفاق أنجز المهمة التي أُريدت منه، وأن الوقت حان للانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الوقائع التي نشأت خلال ثلاثين عاماً من التفاوض والهيمنة الأمنية والتوسع الاستيطاني.
عندما وُقعت أوسلو عام 1993، قُدمت بوصفها طريقاً نحو السلام والدولة الفلسطينية. لكن إسرائيل حصلت منذ اللحظة الأولى على المكسب الأهم: اعتراف فلسطيني رسمي بها وبحقها في الوجود، وإعلان تخلي منظمة التحرير الفلسطينية عن خيار المقاومة وإعلان التفاوض "خياراً استراتيجياً"، من دون أن تقدّم بالمقابل اعترافاً مماثلاً بالدولة الفلسطينية أو بالقدس عاصمة لها أو التزاماً واضحاً بإنهاء الاحتلال. هكذا نشأ اختلال جوهري في بنية الاتفاق، حيث حصلت إسرائيل على الاعتراف السياسي، بينما بقيت القضايا الجوهرية مؤجلة إلى «مفاوضات الحل النهائي".
الفائدة الإسرائيلية الثانية كانت أمنية. فقد أنشأت أوسلو سلطة فلسطينية تتولى تحت عنوان التنسيق الأمني توفير أحد أهم أعمدة استقرار الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، حتى أن قطاعات واسعة من الفلسطينيين باتت تشعر يومياً أن مشكلتها مع السلطة هي واجهة لمشكلتها مع الاحتلال، وأن أجهزة السلطة تحولت إلى جزء من منظومة الأمن التي تمنع أي تهديد لإسرائيل وتتولى ملاحقة المقاومة بالنيابة عن أجهزة أمن الاحتلال.
في الوقت نفسه وفّرت أوسلو لإسرائيل غطاءً سياسياً ودولياً غير مسبوق. فالعالم تعامل مع إسرائيل بعد الاتفاق بوصفها دولة تسير نحو السلام، بينما أتاحت الفرصة لجذب عدد من الحكومات العربية نحو التطبيع، فيما استثمرت تل أبيب هذه المرحلة لتغيير الوقائع على الأرض. عند توقيع أوسلو كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس يقارب مئة ألف، أما اليوم فتقترب التقديرات من المليون مستوطن مع احتساب القدس الكبرى والأحزمة الاستيطانية. أي أن المرحلة التي كان يفترض أن تقود إلى إنهاء الاحتلال تحولت عملياً إلى أكبر مراحل التوسع الاستيطاني في تاريخ إسرائيل.
💬 التعليقات (0)