في الخامس عشر من أيار من كل عام، يقف الشعب الفلسطيني أمام واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخه الحديث؛ ذكرى النكبة الفلسطينية عام 1948، التي لم تكن مجرد تهجير جماعي للفلسطينيين من أرضهم، بل مشروعاً متكاملاً استهدف الإنسان والهوية والذاكرة والموروث الثقافي والحضاري للشعب الفلسطيني. فمنذ اللحظات الأولى للنكبة، أدرك الاحتلال أن السيطرة على الأرض تحتاج أيضاً إلى السيطرة على الرواية التاريخية، لذلك رافقت عمليات التهجير والتدمير حملة منظمة لنهب التراث الفلسطيني ومحاولة طمس معالمه الثقافية والوطنية.
لقد تعرضت مئات القرى والمدن الفلسطينية للتدمير الممنهج، وهُدمت البيوت، وأُحرقت المؤسسات الثقافية، وسُرقت المكتبات الخاصة والعامة، وارشيفات المؤسسات العامة ،والمساجد والكنائس ،وصودرت الوثائق والمخطوطات والصور التاريخية، في محاولة لاقتلاع الذاكرة الفلسطينية من جذورها. ولم يكن استهداف الموروث الثقافي عملاً عشوائياً، بل سياسة هدفت إلى إعادة تشكيل التاريخ والجغرافيا بما يخدم الرواية الإسرائيلية، عبر تغيير أسماء القرى والمعالم التاريخية، والاستيلاء على المقتنيات التراثية الفلسطينية ومحاولة نسبها إلى الثقافة الإسرائيلية.
كما طالت عمليات النهب المكونات الثقافية غير المادية، مثل الأزياء الشعبية الفلسطينية، والتطريز، والأكلات التراثية، والفنون الفلكلورية، التي أصبحت عرضة لمحاولات السطو والتزييف. وبذلك تحولت النكبة من كارثة إنسانية إلى معركة على الهوية والوعي والذاكرة الوطنية.
وفي مواجهة هذا الاستهداف المستمر، برز الدور السياسي والوطني والجمعي الفلسطيني في حماية الموروث الثقافي الفلسطيني وتعزيز حضوره في المحافل الدولية. رغم التحديات السياسية والاحتلال والانقسام والإمكانات المحدودة، على ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية من خلال دعم المؤسسات الثقافية والأرشيفية والمتاحف والمكتبة الوطنية، والسعي لتوثيق الرواية الفلسطينية وحماية التراث من الضياع أو التزييف.
كما لعبت المؤسسات الرسمية الفلسطينية دوراً مهماً في تدويل قضية التراث الفلسطيني، عبر الانضمام إلى المنظمات الدولية المعنية بالثقافة والتراث، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، والمجلس الدولي للارشيف المعني بحفظ وصيانة الموروث الوقائقي و الاتفاقيات الدولية التي تُعنى بحفظ الموروث الوثائقي والثقافي وصيانته أثناء الحروب والنزاعات المسلحة مثل اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح ، الأمر الذي أسهم في تسجيل عدد من عناصر التراث الفلسطيني على قوائم التراث العالمي والتراث غير المادي، مثل التطريز الفلسطيني، تأكيداً على الهوية الثقافية الفلسطينية في مواجهة محاولات السطو والطمس.
ومن الناحية السياسية، شكلت السلطة الفلسطينية مظلة رسمية للدفاع عن الرواية الوطنية الفلسطينية في المحافل الدولية، من خلال توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها التراث الفلسطيني في القدس والمدن التاريخية والمواقع الأثرية، والعمل على فضح سياسات التهويد والاستيلاء على الموروث الثقافي الفلسطيني. وجاء إنشاء المكتبة الوطنية الفلسطينية بوصفها حاضنةً للذاكرة الوطنية الفلسطينية، وحافظةً للموروث التاريخي والوثائقي الذي يجسد هوية الشعب الفلسطيني وتاريخه الحضاري والثقافي عبر مختلف المراحل. وتؤدي المكتبة دورًا محوريًا في جمع الأرشيفات الوطنية وصون الوثائق والمخطوطات والمقتنيات ذات القيمة التاريخية، بما يضمن حمايتها من الضياع أو التدمير أو التزوير، خاصة في ظل التحديات التي تواجه التراث الفلسطيني.
💬 التعليقات (0)