من وسط الركام والدمار الذي طال المكتبات الثقافية، انبعثت حياة جديدة على أرصفة "شارع الحرية"، حيث افترش بائعو الكتب الأرض، محولين أرصفة الطريق إلى ملاذ معرفي للمثقفين والباحثين.
تحت شمس الخرطوم يقف أحمد، وهو صاحب مكتبة عريقة دمرتها الحرب، بجانب بضاعته المفترشة على الأرض، يقول أحمد، الذي أمضى أكثر من 25 عاما في هذه المهنة "لم يكن افتراش الأرض خيارا سهلا، لكن ضعف القدرة المالية وارتفاع تكاليف مواد البناء حال دون ترميم ما دمرته الحرب. اخترنا الرصيف لنواصل رسالتنا ونوفر لقمة العيش في ظل هذه الظروف القاسية."
ولا يقتصر الألم على الخسارة المادية فحسب؛ فأحمد يصف بحسرة ضياع مراجع ومخطوطات نادرة لا تقدر بثمن. ويضيف: "أقسى ما نواجهه هو سؤال العملاء عن كتب ومراجع احترقت أو ضاعت تحت الأنقاض، لكن سعادتهم بعودتنا، ولو على الرصيف، تمنحنا القوة للاستمرار."
لم تسلم من آلة الحرب حتى المؤسسات الكبرى، وعلى رأسها "الدار السودانية للكتب"، التي تعد منارة ثقافية في المنطقة. وبحسب أصحاب المكتبات فإن محلاتهم لم تكن مجرد نقاط للبيع، بل كانت مستودعات للذكريات والتراث الإنساني الذي تعرض لضربة موجعة.
وفي محاولة لمواجهة هذا الواقع، برزت عدة مبادرات منها ما هو شبابي لتنظيم معارض كتب مصغرة في المناطق الآمنة، وتحركات حكومية وولائية لدعم عودة أصحاب المكتبات إلى مقارهم ومحاولة ترميم ما يمكن إنقاذه، وإقامة مشاريع دعم تهدف إلى إحياء دور النشر المتضررة.
وعلى الرغم من حجم الدمار الذي لحق بقلب العاصمة، يؤكد بائعو الكتب في "السوق العربي" أن العودة للعمل كانت حتمية، كونها المهنة الوحيدة ومصدر الرزق الأساسي لهم، ومع عودة الهدوء تدريجيا، يتمسك هؤلاء "الوراقون" بالأمل في إعادة إعمار مكتباتهم، لتعود الخرطوم كما كانت، مدينة تقرأ وتكتب وتطبع، متحدية بذلك آثار الحرب والدمار.
💬 التعليقات (0)