في خطابه أمام المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، لم يكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتحدث فقط إلى كوادر الحركة المجتمعين في رام الله، بل بدا وكأنه يخاطب عالماً كاملاً يراقب المشهد الفلسطيني بعد الحرب على غزة: واشنطن، العواصم العربية، الأوروبيين، إسرائيل، وحتى الفلسطينيين أنفسهم الذين خرجوا من الحرب بوعي سياسي مختلف، وربما أكثر قسوة تجاه كل ما سبقها.
وربما لم يكن المؤتمر الثامن لحركة فتح موجهاً إلى الداخل الفلسطيني بالقدر الذي بدا فيه موجهاً إلى الخارج. فمنذ اللحظة الأولى، ظهر خطاب الرئيس الفلسطيني وكأنه رسالة سياسية متعددة العناوين أكثر منه خطاباً تنظيمياً لحركة تعقد مؤتمرها بعد عقد كامل من الغياب. لم يكن الهم الأساسي استنهاض القاعدة الفتحاوية أو إجراء مراجعة عميقة لمسار الحركة والسلطة، بقدر ما كان محاولة لإعادة تقديم السلطة الفلسطينية كلاعب لا يمكن تجاوزه في ترتيبات ما بعد الحرب على غزة.
ولهذا حضرت بكثافة مفردات مثل "الشرعية"، و"الإصلاح"، و"السلاح الواحد"، و"حل الدولتين"، و"الانتخابات"، في خطاب بدا وكأنه يخاطب واشنطن والعواصم العربية والأوروبيين أكثر مما يخاطب الفلسطينيين أنفسهم. حتى نبرة الرئيس الفلسطيني بدت أقرب إلى لغة رئيس يسعى لإقناع العالم بقدرته على إدارة المرحلة المقبلة، لا إلى قائد حركة تحرر يخاطب شعباً خرج من واحدة من أكثر الحروب دموية وتحولاً في تاريخه المعاصر.
كان واضحاً منذ اللحظة الأولى أن الخطاب لا ينتمي إلى لغة التعبئة الثورية التقليدية التي عرفت بها فتح في مراحلها الأولى، بل إلى لغة الدولة والسلطة والنظام السياسي. مفردات مثل "القانون"، و"إعادة الإعمار"، و"السلاح الشرعي الواحد" حضرت بكثافة، وكأن الرئيس الفلسطيني يحاول إعادة تثبيت صورة السلطة الفلسطينية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على الإمساك بالمشهد الفلسطيني بعد الزلزال الذي ضرب غزة.
في ظاهر الخطاب، كان هناك تركيز على حجم الكارثة الإنسانية: مئات آلاف الضحايا والجرحى، دمار شامل، أحياء أزيلت بالكامل، وعائلات مُسحت من السجل المدني. استخدم الرئيس الفلسطيني لغة قاسية وهو يتحدث عن "الإبادة" وعن مشروع تهجير الفلسطينيين، في محاولة لإعادة تثبيت الرواية الفلسطينية أمام العالم. لكن ما كان أكثر أهمية من توصيف المأساة هو البناء السياسي الذي حاول استخلاصه منها.
فالرسالة المركزية في الخطاب كانت واضحة: لا مستقبل لأي صيغة فلسطينية خارج إطار السلطة ومنظمة التحرير. ولهذا كرر الرئيس الفلسطيني ثلاثيته الحاسمة: "النظام الواحد، القانون الواحد، السلاح الشرعي الواحد". لم تكن هذه مجرد عبارات إدارية أو شعارات تنظيمية، بل إعلاناً سياسياً مباشراً ضد واقع تعدد مراكز القوة الفلسطينية، وبالتحديد ضد نموذج حماس في غزة.
💬 التعليقات (0)