كثيرا ما نهرب من الأحاديث العابرة، نتجنب الحديث مع زميل في المصعد، أو ننشغل بهواتفنا حتى لا نفتح بابا لكلمات سريعة مع جار أو شخص غريب. نعتقد أنها لحظات بلا قيمة، مجرد "كلام عابر" لا يستحق الوقت، لكن ماذا لو كانت تلك الدقائق البسيطة تحمل أثرا نفسيا واجتماعيا أعمق مما نظن؟
هذا بالضبط ما كشفت عنه دراسة حديثة قام بها مجموعة باحثين في جامعة ميتشيغان ونشرتها الجمعية الأمريكية لعلم النفس في أبريل/نيسان 2026، إذ أظهرت نتائج الدراسة أن الأحاديث القصيرة اليومية التي يصفها كثيرون بالمملة أو السطحية قد تكون أكثر متعة وفائدة مما نتوقع بكثير، والمثير أن المشكلة لا تكمن في طبيعة هذه الأحاديث بحد ذاتها بل في طريقة تفكيرنا فيها قبل أن نخوضها.
اشتملت الدراسة على سلسلة من التجارب شارك فيها نحو 1800 شخص من دول مختلفة، وطلب من المشاركين قبل أي محادثة قصيرة أن يتوقعوا مدى استمتاعهم بها. وكانت التوقعات في الغالب متشائمة، إذ رأى كثيرون أن الحديث سيكون عاديا أو مملا أو بلا طائل، لكن بعد انتهاء المحادثة جاءت التقييمات مختلفة كليا، فقد أكد المشاركون أنهم استمتعوا بالحوار أكثر مما توقعوا، وشعروا بارتياح ودفء أكبر مما تصوروا.
وتكرر هذا النمط في تجربة تلو الأخرى، وهو ما يشير إلى وجود ميل نفسي راسخ يجعلنا نقلل من قيمة التواصل الاجتماعي البسيط قبل تجربته. فنحن لا نقيم الحديث بناء على خبرات سابقة موضوعية، بل وفق افتراضات مسبقة تحرمنا من لحظات قد تكون ممتعة ومهمة وسط إيقاع الحياة السريع.
قد يبدو الحديث عن الطقس أو ازدحام المرور أمرا مملا، لكن ما تكشفه الدراسة هو أن متعة الحوار لا تأتي من عمق الموضوع أو ثقله الفكري، بل من الشعور بأن هناك إنسانا آخر يستمع إليك، ويرد عليك، ويمنحك اهتمامه ولو للحظات.
توضح الدكتورة جيليان ساندستورم، عالمة النفس بجامعة ساسكس في المملكة المتحدة والمتخصصة في دراسة العلاقات الاجتماعية، لصحيفة تايمز الأمريكية، أننا كبشر نميل إلى الانشغال بأفكارنا قبل التفاعلات الاجتماعية، ونركز كثيرا على ما سنقوله وهل هو مناسب أم لا، ونختار الموضوع بعناية، في حين أن التواصل في حد ذاته هو الأهم وانعكاسه يكون إيجابيا على النفس.
💬 التعليقات (0)