f 𝕏 W
الإسلاميون وتحدياتُ المئويةِ الثانية… بينَ السياسةِ ولُغةِ الخطاب

جريدة القدس

سياسة منذ 51 دق 👁 0 ⏱ 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

الإسلاميون وتحدياتُ المئويةِ الثانية… بينَ السياسةِ ولُغةِ الخطاب

الخميس 14 مايو 2026 9:16 صباحًا - بتوقيت القدس

أوشك الإسلاميون على الدخول في مئويتهم الثانية منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد الإمام حسن البنا عام 1928، وهم اليوم يقفون أمام لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة؛ لحظةٍ تتجاوز سؤال البقاء إلى سؤال القدرة على التجدد، وتتجاوز فكرة المعارضة التقليدية إلى سؤال الكفاءة في إدارة الدولة والمجتمع. فالحركات التي لا تُراجع خطابها وأدواتها قد تنجح في صناعة الأنصار، لكنها قد تعجز عن صناعة المستقبل، لأن العالم تبدّل، والأجيال الجديدة لم تعد تُقنعها الشعارات وحدها، بل باتت تبحث عن الحرية والعدالة والتنمية وكرامة الإنسان.لقد دخل الإسلاميون مرحلةً جديدة من تاريخهم السياسي والفكري، وهم يواجهون تحديات عميقة تتعلق بطبيعة الدولة الحديثة، والعلاقة مع المجتمع، ولغة الخطاب، وحدود التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الحكم والإدارة.ومن أبرز الإشكالات التي واجهت الحركات الإسلامية الانتقال من “ثقافة الجماعة” إلى “ثقافة الدولة”. فقد نجحت هذه الحركات في بناء قواعد شعبية واسعة، ورسّخت حضورها الدعوي والاجتماعي، لكنها حين اقتربت من السلطة اكتشفت أن إدارة الدولة لا تتم بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى خبرة في الاقتصاد والإدارة والعلاقات الدولية، وإلى فهمٍ أعمق لتعقيدات الدولة ومؤسساتها.وفي هذا السياق تبدو التجربة التركية بقيادة رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية واحدةً من أهم التجارب التي حاولت المواءمة بين الهوية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة. فقد اختارت النخبة التركية ذات الخلفية الإسلامية طريق التدرج السياسي والانفتاح الاقتصادي، والحديث بلغة التنمية والإصلاح بدل الصدام المباشر مع الدولة العميقة والعلمانية الصلبة.وقد استطاعت تركيا تحقيق قفزات اقتصادية وصناعية مهمة، ووسّعت حضورها الإقليمي والدولي، وقدّمت نموذجًا للإسلاميين يقوم على البراغماتية السياسية واحترام العملية الديمقراطية. لكن التجربة التركية لم تخلُ من إشكالات، خاصة ما يتعلق بالحريات العامة واستقلال القضاء والأزمات الاقتصادية التي ظهرت في السنوات الأخيرة.أما التجربة الجزائرية فبدت أكثر حذرًا وتعقيدًا، خاصة بعد أحداث التسعينيات وما خلّفته من جراح دامية. ولهذا اختارت قطاعات واسعة من التيار الإسلامي هناك، خاصة في تجربة حركة مجتمع السلم التي ارتبطت بالشيخ محفوظ نحناح ثم شخصيات لاحقة مثل عبد الرزاق مقري، نهج المشاركة بدل المغالبة، والعمل من داخل النظام السياسي بدل الصدام معه.وقد ساعد هذا الخيار على تجنيب الجزائر مزيدًا من الانقسامات، لكنه جعل بعض الإسلاميين عرضة لانتقادات تتعلق بالتكيف المفرط مع السلطة، وفقدان القدرة على إحداث تغيير ملموس يشعر به الشارع الجزائري.أما على مستوى لغة الخطاب، فإن التحدي يبدو أكثر حساسية. فالحركات الإسلامية نشأت في بيئات استعمارية وصراعية، وكانت لغة التعبئة والمظلومية جزءًا من تكوينها السياسي. لكن عالم اليوم لم يعد يستجيب كثيرًا لهذه اللغة التقليدية، بل أصبح أكثر اهتمامًا بلغة التنمية والحقوق وبناء الإنسان.ومن هنا تبرز أهمية التجربة الماليزية، خاصة في عهد مهاتير محمد، التي قدّمت نموذجًا مختلفًا في العلاقة بين الإسلام والتنمية. فقد ركزت ماليزيا على التعليم والصناعة والتكنولوجيا ومحاربة الفساد، وربطت بين القيم الإسلامية ومشروع النهضة الحضارية، بدل البقاء أسيرة الصراعات الأيديولوجية التقليدية.واللافت أن أنور إبراهيم ما زال يسير، إلى حدٍّ كبير، على النهج ذاته، من حيث التركيز على الإصلاح المؤسسي والانفتاح الاقتصادي، وتقديم خطاب إسلامي أكثر اعتدالًا ومرونة، يجمع بين الهوية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة. وربما كانت خصوصية التجربة الماليزية أنها قدّمت الإسلام باعتباره طاقةً للنهوض الحضاري، لا مجرد أداة للصراع السياسي.أما في المغرب، فقد حاول حزب العدالة والتنمية بقيادة شخصيات مثل عبد الإله بن كيران أن يقدّم خطابًا إصلاحيًا هادئًا يقوم على العمل من داخل مؤسسات الدولة، والتعامل بمرونة مع طبيعة النظام السياسي المغربي. وقد نجح الحزب لفترة في بناء علاقة جيدة مع الشارع المغربي، مستفيدًا من لغة بسيطة وقريبة من الناس.لكن التجربة المغربية واجهت بدورها تحديات وانتكاسات، خاصة بعد شعور قطاعات من الرأي العام بأن سقف الإصلاح ظل محدودًا، وأن الحزب أصبح جزءًا من توازنات السلطة أكثر من كونه حاملًا لمشروع تغيير حقيقي.وفي الحقيقة، لا توجد تجربة إسلامية كاملة أو معصومة من الأخطاء، لكن ما يمكن ملاحظته أن الحركات الإسلامية التي نجحت نسبيًا في الاستمرار كانت تلك التي امتلكت قدرًا أكبر من المرونة السياسية، وقدرة أعلى على تطوير خطابها والانفتاح على قضايا المجتمع والدولة الحديثة.لقد تغيّر العالم كثيرًا، ولم يعد السؤال المطروح على الإسلاميين: “هل أنتم مع الشريعة أم ضدها؟” بقدر ما أصبح السؤال: كيف ستديرون الاقتصاد؟ وكيف ستحمون الحريات؟ وكيف ستتعاملون مع التنوع الديني والسياسي والثقافي؟وهنا تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعات فكرية وسياسية عميقة تعيد تعريف العلاقة بين الدعوي والسياسي، وبين التنظيم والدولة، وتؤسس لخطاب أكثر إنسانية واتزانًا وقدرة على بناء الشراكات الوطنية.فالمئوية الثانية للإسلاميين لن تُقاس بعدد المقاعد البرلمانية، ولا بحجم الحشود الجماهيرية، بل بقدرتهم على إنتاج خطاب جديد أكثر نضجًا وانفتاحًا، وعلى تقديم نموذج في الحكم والإدارة يوازن بين القيم الإسلامية وروح العصر ومتطلبات الدولة الحديثة.

الإسلاميون وتحدياتُ المئويةِ الثانية… بينَ السياسةِ ولُغةِ الخطاب

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)