f 𝕏 W
أعلام تسبق الخرائط والضم

جريدة القدس

سياسة منذ 50 دق 👁 0 ⏱ 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

أعلام تسبق الخرائط والضم

الخميس 14 مايو 2026 9:18 صباحًا - بتوقيت القدس

في لحظة تتزامن فيها الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، تبدو مشاهد الأعلام الإسرائيلية التي تغزو التلال والشوارع ومفارق الطرق أكثر من مجرد استفزازات عابرة ينفذها المستوطنون، بل هي من بين أكثر المشاهد دلالة على طبيعة المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية. المسألة هنا لا تتعلق بتعبير عابر عن الهوية كما يحاول الخطاب الإسرائيلي تقديمها، بل نحن امام ممارسة استعمارية كلاسيكية تستخدم الرمز البصري كأداة للهيمنة وإعادة تشكيل المجال العام، نفسيا وسياسيا، فالاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الارض بالقوة العسكرية والمستوطنات والقوانين العنصرية والطرق الالتفافية، بل يسعى ايضا الى احتلال العين والوعي والحيز اليومي للفلسطيني. خلال الاشهر والسنوات الماضية توسعت هذه الظاهرة بصورة غير مسبوقة، خصوصا بعد العدوان على غزة وتصاعد خطاب اليمين الديني والقومي في دولة الاحتلال، فتحولت الأعلام الى ما يشبه نقاط سيادة متنقلة، ترسل رسالة واضحة، مفادها ان الفضاء الفلسطيني ذاته بات خاضعا لاعادة تعريف قسري. في هذا السياق يصبح مرور الفلسطيني يوميا بمحاذاة عشرات الأعلام تجربة نفسية مقصودة، هدفها ترسيخ الشعور بالهيمنة والاخضاع، وتطبيع حضور المستوطن باعتباره صاحب السيادة الفعلية، حتى داخل الاماكن التي يفترض انها فلسطينية بحسب أوهام اوسلو. المفارقة ان هذا الافراط في استخدام الرموز يكشف في الوقت ذاته عن ازمة عميقة داخل الجماعات الاستيطانية نفسها، فالواثق من شرعيته التاريخية والسياسية لا تحتاج عادة الى هذا الكم الهائل من الاستعراض الرمزي اليومي، ولهذا يبدو انتشار الأعلام مرتبطا ايضا بحالة القلق الوجودي التي تعيشها دولة الاحتلال بعد سنوات من التصدعات الداخلية والانقسامات السياسية، فضلا عن فشل القوة العسكرية في حسم الصراع، او انتاج استقرار مستدام، ومن هنا يتحول العلم الى اداة تعويض نفسي بقدر ما هو اداة سيطرة سياسية. الاخطر ان هذه الممارسات لا تنفصل عن مشروع اعمق لاعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية، فالأعلام التي تزرع على جوانب الطرق وقمم التلال وفي محيط المستوطنات، تمهد تدريجيا لتحويل السيطرة الرمزية الى وقائع سياسية وأمنية دائمة، وقد اظهرت تجارب استعمارية عديدة من الجزائر الى جنوب افريقيا ان السيطرة على المشهد البصري كانت دائما جزءا من محاولة فرض رواية المستعمر ومحو حضور الشعوب الاصلية، وفي الحالة الفلسطينية يجري التعامل مع أصحاب الارض الاصليين، الفلسطينيين، الذين يسعى المشروع الاستيطاني الى دفعهم تدريجيا خارج المشهد السياسي والبصري وحتى النفسي. لكن خطورة الظاهرة لا تعني الاستسلام لها، فالمعركة هنا ليست عسكرية فقط، بل معركة سردية ووعي وفضاء عام، ولذلك تبدو الحاجة ملحة الى استراتيجية فلسطينية تعيد انتاج الحضور البصري والرمزي الفلسطيني، سواء في المدن والطرقات والفضاءات العامة، ليس بوصفه ردا عاطفيا مؤقتا، بل باعتباره فعلا سياسيا وثقافيا منظما، يعيد تثبيت الرواية الفلسطينية في مواجهة مشروع استعماري يدرك تماما ان من يسيطر على الصورة يقترب كثيرا من السيطرة على الوعي، لان من ينجح في احتلال العين والشارع والذاكرة، يقترب كثيرا من احتلال الحاضر والمستقبل نفسه.

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)