العالم ككتلة بشرية واحدة وصل الى مرحلة تاريخية عاصفة وهشة في آن، بعد 80 عاما من الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945، حتى أمست ركائز المنظومة العالمية التي صاغها المنتصرون في تلك الحرب تتهاوى وتتدحرج نحو القاع، مع صعود أقطاب عالمية جديدة ذات ثقل وتأثير في الجيوسياسة الدولية، سمح لها ان تفرض معادلات سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية مغايرة للمألوف في العقود الثمانية الماضية، وفي ذات الوقت سعت الأقطاب المهيمنة على مقاليد السياسة والاقتصاد والعسكرة وعالم السبرانية، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية في الدفاع عن ماكنتها ودورها في خارطة العلاقات الدولية، ولهذا رفعت إدارة الرئيس دونالد ترمب شعارها "أميركا أولا"، في رفض واضح للرضوخ للتحولات الدولية، التي تستهدف سحب البساط من تحت اقدامها، وفرض منظومة عالمية جديدة متعددة الأقطاب. هذا التناقض المحتدم بين الأقطاب الصاعدة والقديمة، ولد حالة عالمية تموج بالاضطراب والتفكك، واستباحة الأسس الناظمة للكرة الأرضية، وكانت أول ضحاياه هيئة الأمم المتحدة والمؤسسات والمحاكم الدولية، التي باتت مشلولة وفي أضعف مراحل تاريخ وجودها، ولم يبق منها سوى دور شكلي باهت ومتآكل غير ذي شأن دوليا، مما فاقم من تسيد الفوضى والعنف والإرهاب والحروب على مساحة الكون، ولم يعد بالإمكان احتواؤه نتاج تغول القطب الأميركي وتسلحه بحق النقض – الفيتو، اسوة بباقي الدول الاربع صاحبة هذا الحق، مما ضاعف من تشظي وانفلات العالم من عقال القانون الدولي، وترك الباب على الغارب للصراعات بعناوينها كافة، ووفق ما رصده المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لحوادث العنف، فإن عددها تجاوز ال 180 الف حادثة عنف في القارات كافة. كما أن العالم يشهد حاليا ما يزيد على 130 حربا ونزاعا مسلحا مشتعلا، حتى فاق ضعف عدد الحروب والنزاعات قبل عقد ونصف – 15 عاما – مما فاقم من عمليات التدمير للبنى التحتية، وأحدث تصدعات كبيرة في النسيج الاجتماعي في الدول والشعوب الغارقة في دوامة العنف والفوضى والحروب، وتحمل العبء الأكبر من نتائجها الأطفال والنساء والشيوخ وذوي الحاجات الخاصة، وسقط من آثارها مئات وملايين البشر، فضلا عن انتشار الامراض والاوبئة والصدمات النفسية والجوع والفاقة والعنف المجتمعي القائم على الجنس. ويعود السبب أو الأسباب لهذا الانهيار والتمزق الى بلوغ العالم تحولات دراماتيكية، ناجمة عن تطور قوى الإنتاج مع تعاظم ثورة الاتصالات والمعلومات والثورة الرقمية، والحاجة الى علاقات انتاج قابلة وقادرة على مواءمة الثورة الجديدة، وتتجاوز هذه الظاهرة العالمية الحدود القومية للدول، أي انها ثورة دولية، مما أدى الى صراع الأقطاب الدولية لإعادة تقاسم النفوذ في العالم، الذي مازال مستعرا، حتى ترسو سفينة العالم المضطربة والمثخنة بالتناقضات والصراعات على ميناء انساني مغاير لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبناء عولمة تستقيم مع المعادلات الجيوسياسية الجديدة، تنقل عهدة الحقبة العالمية السابقة الى حقبة دولية أكثر عدالة وحداثة وتطورا، بعد إعادة نظر شاملة في تركتها التاريخية التي ولى زمانها، وأصبحت من الماضي، رغم بقاءها شكليا حتى اللحظة. المنظومة العالمية المتناحرة التي تشهق أنفاسها الأخيرة، لم تعد قادرة على البقاء وترميم تصدعاتها وتناقضاتها، ولم يعد العالم الصاعد والمتطور قادراً على التعايش مع منظومتها السياسية والقانونية والاقتصادية، الامر الذي يفرض إحداث تغيير نوعي يستجيب لحاجات ومتطلبات عالم الغد، وهذا يستدعي فك وتركيب هيئة الأمم المتحدة وإعادة بنائها وفق معايير حديثة تتفق مع مكانة الأقطاب والدول والشعوب، وتسقط هيمنة القطب الواحد، وتلغي حق النقض الفيتو للدول الخمس، وحتى من حيث المبدأ، لأن وجوده سيبقيه سيفا مسلطا على دول العالم وخاصة الدول النامية، وإلغاء اشكال الاستعمار القديمة ممثلا بإسرائيل اللقيطة، وغيرها من الدول التي تمارسه على الاثنيات والأقليات المضطدة داخل نطاق حدودها، والحؤول دون بلطجة الدول القومية على الدول الضعيفة، ومنعها من السيطرة على ثرواتها وحقوق ملكيتها، ونفي الصراعات الدينية والطائفية والمذهبية، وتوظيف الدين في خدمة السلام والتكافل الإنساني، وسيادة القانون والمساءلة، وتعميق الديمقراطية الحقيقية، والتعاون والتكامل الاقتصادي والثقافي والتربوي العلمي بين الدول والشعوب، وحماية الطفولة والنساء من شرور الحروب والنزاعات البينية، وبناء منظومات اجتماعية لخدمة الطبقات والشرائح الاجتماعية الفقيرة، وتعزيز المثاقفة بين الشعوب والأمم المختلفة، وتعميم سياسة السلام والعدالة الإنسانية، وترسيخ الحرية الخاصة والعامة وفق القانون وبما يضمن السلم الأهلي في الدول، والتعايش بين الدول، وتعميد سياسة التداول السلمي للسلطات في الدول، وإلغاء اشكال الهيمنة كافة السياسية والاقتصادية والمالية والثقافية والعسكرية.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
💬 التعليقات (0)