أمد/ غدًا ينعقد المؤتمر الثامن لـ حركة فتح، لكن السؤال الذي يسبق انعقاده ليس: ماذا ستقرر فتح؟ بل: من بقي داخل فتح أصلًا ليقرر؟
فالمشهد الذي يسبق المؤتمر لا يشبه حركة تحرر وطني تخوض معركة مصير، بل يشبه إدارة مغلقة تعيد تدوير ذاتها بعناية، وتقصي كل صوت يمتلك ذاكرة أو موقفًا أو كرامة سياسية. الكوادر الفتحاوية الوطنية التي دفعت عمرها في السجون والمخيمات والمنافي، تجد نفسها اليوم خارج الصورة، بينما تُفتح الأبواب واسعًا أمام شخصيات تحوم حولها ملفات مساءلة وطنية وأخلاقية، لكنها تملك “ميزة” واحدة: الولاء الأعمى لمراكز النفوذ.
لم يعد التهميش داخل فتح حالة فردية أو خلافًا تنظيميًا عابرًا، بل أصبح سياسة ممنهجة. كل من يرفع صوته اعتراضًا يُصنَّف عبئًا. كل من يطالب بإصلاح حقيقي يُعتبر خطرًا. وكل من يمتلك تاريخًا نضاليًا مستقلاً يُدفع بهدوء نحو الهامش، لأن المؤتمر لم يعد يبحث عن القامات، بل عن المصفقين.
المفارقة الساخرة أن الحركة التي قامت أساسًا ضد الإقصاء والتفرد، باتت تُدار بعقلية الإلغاء ذاتها التي لطالما انتقدتها. لم تعد المعايير مرتبطة بالكفاءة أو الشعبية أو التاريخ النضالي، بل بدرجة الطاعة والانحناء. أما أصحاب الرأي والمواقف، فقد تحولوا إلى “تفصيل مزعج” يجب التخلص منه قبل بدء جلسات التصوير والخطابات الخشبية.
وفي الوقت الذي كان يُفترض أن يكون المؤتمر الثامن فرصة لإنقاذ ما تبقى من شرعية الحركة وتجديد دمائها، يبدو أنه يتجه ليكون محطة إضافية لتكريس الأزمة نفسها. أزمة قيادة تخشى النقد أكثر مما تخشى الاحتلال، وتخاف من الكادر الحر أكثر مما تخاف من الانهيار الشعبي.
فتح اليوم ليست أمام أزمة تنظيمية فقط، بل أمام أزمة أخلاقية عميقة. حين يشعر المناضل القديم أن تاريخه أصبح بلا قيمة، وحين يرى الشاب الفتحاوي أن الطريق إلى المواقع لا يمر عبر التضحية بل عبر التملق، فالمشكلة لم تعد في الأشخاص فقط، بل في البوصلة نفسها.
💬 التعليقات (0)