الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:35 صباحًا - بتوقيت القدس
في ذكرى النكبة لا يبدو التاريخ حدثاً يعود إلى الوراء بقدر ما يبدو جرحاً مفتوحاً يعيد تعريف الحاضر كل يوم، فـ“النكبة” لم تعد مجرد لحظة مفصلية في عام 1948، حين جرى اقتلاع مئات آلاف الفلسطينيين وتدمير مئات القرى وإعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة، بل تحولت إلى بنية ممتدة من الفعل الاستعماري المستمر الذي يعيد إنتاج نفسه بأدوات مختلفة، لكن بالهدف ذاته: إعادة هندسة المكان والإنسان والذاكرة.إن قراءة النكبة اليوم لا يمكن أن تنفصل عن مفهوم “النكبة المستمرة”، حيث لم يتوقف الفعل التأسيسي الأول عند حدود التاريخ، بل امتد في مسار طويل من الاستيطان ومصادرة الأرض، وتفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية، وإعادة تشكيل المجال الجغرافي بما يخدم مشروعاً إحلالياً يقوم على الإقصاء لا الشراكة، وعلى الإلغاء لا التعايش، وما يجري في الضفة الغربية من توسع استيطاني، وعزل للمدن والقرى، وبناء منظومات فصل جغرافي وبشري، ليس سوى امتداد مباشر لذلك المسار الذي بدأ مع النكبة الأولى، وإن اختلفت أدواته ووسائله.لكن الأخطر في هذا الامتداد التاريخي هو ما نشهده اليوم في قطاع غزة، حيث تتخذ النكبة شكلاً أكثر كثافة ووضوحاً في عنفها، فالحصار الطويل، والحروب المتكررة، وتدمير البنى التحتية، واستهداف مقومات الحياة الأساسية، لا يمكن قراءتها كأحداث منفصلة أو صراعات عسكرية تقليدية، بل كجزء من منطق أوسع يسعى إلى دفع الإنسان الفلسطيني نحو حافة الوجود نفسه، إن ما يحدث هناك لا يستهدف الأرض وحدها، بل يستهدف إمكانية البقاء عليها.في هذا السياق، تعود الذاكرة إلى ما قبل عام 1948، حين كانت العصابات الصهيونية تمارس سياسات الترهيب والهجوم على القرى، وخلق بيئة من الخوف والنزوح القسري، في سياق تمهيدي لإعادة تشكيل الخريطة السكانية، واليوم رغم تغير السياقات السياسية والعسكرية، فإن البنية العميقة للفعل لم تتغير كثيراً؛ إذ تتكرر أنماط الاعتداء على القرى والمنازل في الضفة الغربية، وإحراق الممتلكات، وفرض الوقائع بالقوة، ولكن هذه المرة عبر منظومة أكثر تعقيداً تشمل جيشاً واستيطاناً منظماً ودعماً سياسياً دولياً واسعاً.ومع ذلك، فإن النكبة ليست فقط سردية اقتلاع، بل أيضاً سردية بقاء، فالفلسطيني الذي أُريد له أن يختفي، ظل يعيد إنتاج حضوره في الجغرافيا والذاكرة والديموغرافيا، لقد تحولت الهوية الفلسطينية إلى فعل مقاومة يومي، لا يتجسد فقط في المواجهة السياسية، بل أيضاً في التمسك بالمكان، وفي إعادة رواية التاريخ من منظور من عاشوه لا من منظور من كتبوه عن بعد.إن الذاكرة الفلسطينية، بما تحمله من شهادات ووثائق وأدب وتجارب شخصية، لم تكن مجرد أرشيف للماضي، بل أصبحت ساحة صراع حقيقية على المعنى، فمحاولات طمس التاريخ أو إعادة صياغته لم تنجح في إلغاء الرواية الأصلية، بل دفعت الفلسطينيين إلى تعميق حضورها وتوسيعها، لتصبح النكبة ليست حدثاً منتهياً، بل وعياً جماعياً متجدداً.وفي قلب هذا الوعي، تبرز الديموغرافيا كأحد أكثر أشكال المقاومة صلابة وهدوءاً في آن واحد ، فبالرغم من كل أشكال التهجير والتشتيت، فإن الفلسطينيين اليوم يشكلون شعباً ممتداً في الأرض والشتات، يتزايد عدده ويتعمق حضوره، في مفارقة تاريخية تقف في مواجهة مشروع كان يفترض أن يؤدي إلى محوه، إن استمرار الحياة ذاتها، في ظل هذا السياق، هو شكل من أشكال الفعل السياسي، حتى وإن بدا صامتاً.إن ذكرى النكبة ليست مجرد استدعاء للماضي، بل هي مواجهة مع الحاضر أيضاً، فالمسافة بين عام 1948 واليوم ليست مسافة زمنية بقدر ما هي مسافة في شكل العنف ودرجة تجليه، وما بين تهجير القرى بالأمس، وقصف المدن وتجويع السكان وتقطيع الجغرافيا اليوم، يتشكل خط واحد ممتد من الفعل، يربط البدايات بالامتدادات دون انقطاع.لكن رغم كل ذلك، تبقى النكبة أيضاً سؤالاً مفتوحاً عن المستقبل: كيف يمكن لشعب أن يواجه مشروعاً طويل الأمد يسعى إلى إعادة تشكيل وجوده نفسه؟ وكيف تتحول الذاكرة من عبء تاريخي إلى قوة سياسية وأخلاقية قادرة على الاستمرار؟في ذكرى النكبة، لا يعود السؤال عن الماضي فقط، بل عن معنى الاستمرار في الحاضر، وعن قدرة شعب على أن يبقى شاهداً وفاعلاً في آن واحد، رغم كل محاولات الإلغاء، فالنّكبة في نهاية الأمر، ليست مجرد ذكرى، بل واقع يتجدد، ومقاومة تتجدد معه، ما دام هناك من يصر على أن يروي الحكاية حتى النهاية.
فلسطين في دائرة النكبة: زمن لم يتقدم بل يتكرر
بشرى بن فاطمة كاتبة باحثة تونسية مختصة بالفنون البصرية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)