الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:36 صباحًا - بتوقيت القدس
في الوقت الذي كانت فيه الأسرة التعليمية تنتظر خطوات عملية وجادة لمعالجة الفاقد التعليمي الذي تراكم خلال السنوات الأخيرة، جاء قرار إلغاء تمديد العام الدراسي ليعيد إلى الواجهة تساؤلات مشروعة حول مصير الخطط التي طالما تحدثت عن تعويض الطلبة عمّا فاتهم من مهارات ومعارف أساسية، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي مر بها التعليم في فلسطين والمنطقة عمومًا.لا أحد ينكر حجم الضغوط التي تواجهها وزارة التربية والتعليم، سواء على المستوى الإداري أو المالي أو حتى النفسي، كما لا يمكن تجاهل حالة الإرهاق التي يعيشها الطلبة والمعلمون والأهالي بعد سنوات متلاحقة من الأزمات والتغييرات في النظام التعليمي. لكن في المقابل، فإن الحديث عن "الفاقد التعليمي" لا يجوز أن يبقى مجرد شعار موسمي يظهر في البيانات والتصريحات ثم يختفي عند أول اختبار حقيقي للقرارات التربوية.لقد أثبتت التجارب التربوية الحديثة أن الفاقد التعليمي ليس قضية مرتبطة بعدد أيام الدوام فقط، بل هو مشكلة تراكمية تمس جودة التعليم ومخرجاته، وتمتد آثارها إلى سنوات طويلة قادمة. فهناك طلبة انتقلوا من صف إلى آخر وهم يفتقدون مهارات أساسية في القراءة والكتابة والحساب، وهناك فجوات واضحة في التحصيل العلمي لا يمكن تجاوزها بالحلول الشكلية أو بالاختصار الزمني للمساقات الدراسية.ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا أُلغي تمديد العام الدراسي؟ بل: ما هي البدائل الحقيقية التي أُعدّت لتعويض الطلبة؟ وهل توجد خطط واضحة ومعلنة لمعالجة الفاقد التعليمي بصورة عملية ومدروسة؟ أم أننا سنواصل ترحيل المشكلة من عام إلى آخر حتى تتحول إلى أزمة بنيوية يصعب علاجها مستقبلًا؟وفي خضم هذا النقاش، لا بد من التوقف أيضًا عند واقع المعلم الفلسطيني، الذي أصبح يحمل فوق أكتافه أعباءً تفوق قدرته على الاحتمال. فمن غير المنطقي الحديث عن خطط إنقاذ تعليمية أو معالجة للفاقد التعليمي في وقت يعاني فيه المعلم منذ سنوات من عدم انتظام صرف راتبه كاملًا أسوة بباقي الموظفين، حتى بات كثير من المعلمين غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية أو حتى الوصول إلى مدارسهم بسبب تكاليف المواصلات والظروف الاقتصادية الصعبة.إن المعلم الذي يعيش القلق المعيشي اليومي، ويضطر للاستدانة أو البحث عن عمل إضافي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات أسرته، لا يمكن تحميله وحده مسؤولية تراجع العملية التعليمية أو ضعف المخرجات. فنجاح أي خطة تربوية يبدأ أولًا من حماية كرامة المعلم وتوفير حياة مستقرة له، لأنه الركيزة الأساسية في بناء الأجيال وصناعة الوعي.كما أن كثرة القرارات المتغيرة تربك المشهد التربوي وتضعف ثقة المجتمع بالمنظومة التعليمية، خاصة عندما يشعر الطلبة والأهالي والمعلمون بأن القرارات تصدر دون وضوح كافٍ في الأهداف أو البدائل. فالتعليم قضية وطنية لا تحتمل الحلول المؤقتة أو المعالجات السريعة، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة تراعي مصلحة الطالب وتحفظ كرامة المعلم في الوقت ذاته.إن معالجة الفاقد التعليمي لا تكون فقط بإطالة العام الدراسي أو تقليصه، وإنما من خلال بناء بيئة تعليمية مستقرة، تبدأ بمعلم قادر نفسيًا ومعيشيًا على أداء رسالته، وتمر بمناهج مرنة وخطط علاجية حقيقية، وتنتهي بطالب يمتلك المهارة والمعرفة والقدرة على التفكير.وفي النهاية، فإن النقاش الحقيقي اليوم يجب أن يتجاوز قرار التمديد أو إلغائه، إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نحمي مستقبل التعليم في ظل هذا الواقع الصعب؟ وكيف نطالب المعلم بمزيد من العطاء بينما ما زال ينتظر حقه الأساسي في راتب يضمن له حياة كريمة؟فالتعليم لا يُبنى بالقرارات وحدها، بل بالاستقرار، والعدالة، والشعور بأن من يحمل رسالة التعليم لم يُترك وحيدًا في مواجهة الأزمات.
وقفة مع قرار إلغاء تمديد العام الدراسي... وأين ذهبنا بالفاقد التعليمي؟
بشرى بن فاطمة كاتبة باحثة تونسية مختصة بالفنون البصرية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)