الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:38 صباحًا - بتوقيت القدس
أحدث التقدم التكنولوجي ثورة هائلة في عالم التواصل الإنساني، حتى بدا العالم وكأنه قرية صغيرة تتداخل فيها الأصوات والصور والأفكار عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وواتساب وتلغرام وتيك توك وغيرها من المنصات التي غزت تفاصيل حياتنا اليومية.لكن خلف هذا التقدم اللامع، تتسلل أزمة اجتماعية صامتة تنخر في جسد الأسرة العربية، وتُحدث شرخًا عاطفيًا وإنسانيًا عميقًا.في المساء، تجتمع الأسرة في مكان واحد، لكن الأرواح متباعدة. الأب منشغل في هاتفه، والأم غارقة في مجموعات المحادثة، والأبناء أسرى الشاشات الزرقاء، وكأن كل فرد يعيش داخل جزيرته الإلكترونية الخاصة. يسود الصمت، وتختفي جلسات السمر والدفء العائلي التي كانت تُحيي البيوت بالمحبة والحوار والضحكات.لقد تحوّل الإنسان تدريجيًا إلى كائن منعزل داخل آلة إلكترونية، يعيش في عالم افتراضي واسع، لكنه فقير عاطفيًا. ومع الوقت، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت لدى كثيرين نوعًا من “الأفيون الرقمي” الذي يُخدّر المشاعر ويستنزف الوقت ويُضعف الروابط الأسرية والاجتماعية.ومن المفارقات اللافتة أن كثيرًا من روّاد التكنولوجيا وصُنّاع المنصات الرقمية يدركون خطورة الإدمان الإلكتروني على الإنسان والأسرة، لذلك يحاولون الحفاظ على التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية، عبر القراءة والرياضة وقضاء الوقت مع العائلة، بينما يغرق ملايين البشر في عزلة الشاشات حتى بات الهاتف شريكهم الأقرب.السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:هل ما زالت وسائل التواصل الاجتماعي تخدم الترابط الأسري، أم أنها أصبحت أداة لتفكيكه بصمت؟لا يمكن إنكار أن هذه الوسائل سلاح ذو حدين؛ فهي مساحة للمعرفة والتقارب وتبادل الخبرات، لكنها في المقابل قد تتحول إلى مستنقع للعزلة والإدمان وضياع القيم إذا أسيء استخدامها. إنها أشبه بمائدة مفتوحة يختار الإنسان منها ما يشاء، أو بحديقة ثمار قد يقطف منها ثمرة نافعة أو أخرى مُرّة كالعلقم.والأخطر من ذلك أن بعض هذه المنصات باتت تُتقن توجيه العقول عبر سيل متواصل من المحتوى الذي يُعيد تشكيل الوعي والسلوك، ويُغرق الإنسان في دوامة الاستهلاك والتشتت والانفعال. فبدل أن تُستخدم التكنولوجيا لخدمة الإنسان، أصبح الإنسان في أحيان كثيرة خادمًا لها.إن مواجهة هذا الخطر لا تكون برفض التكنولوجيا، بل بإعادة ضبط علاقتنا بها، واستعادة دفء الأسرة، وإحياء ثقافة الحوار، ومنح الوقت الحقيقي لمن نحب. فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء حين تختفي العلاقات الإنسانية الحقيقية خلف الشاشات الباردة.
أفيون وسائل التواصل الاجتماعي.. حين تُختطف الأسرة بصمت
بشرى بن فاطمة كاتبة باحثة تونسية مختصة بالفنون البصرية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)