الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس
لم تكن الدفعة المالية التي صرفت للقضاة في فلسطين مجرد اجراء اداري عابر او معالجة اجرائية تقنية تتعلق ببند المواصلات وفق الرواية الرسمية، بل بدت كخطوة تفتقر الى التقدير السليم لحجم الاحتقان المتراكم، فتحولت سريعا الى شرارة فجرت واحدة من حالات الغضب النقابي، حيث لامست جرحا فلسطينيا مفتوحا يتعلق بالعدالة والمساواة في مجتمع يعيش تحت ضغط الاحتلال والضغط الاقتصادي المتواصل، فالقضية بالنسبة لعشرات آلاف الموظفين الذين يتلقون رواتب منقوصة منذ اعوام لم تعد مرتبطة بحجم المبلغ او مصدره، بل بالسؤال الأكثر خطورة، من يدفع ثمن الأزمة ومن يجري تحصينه منها. مجلس القضاء حاول احتواء الغضب عبر التأكيد ان المبلغ صرف من صندوق تطوير القضاء، فالقضاة- بحكم طبيعة وظائفهم- لا يتمتعون بحق العمل في أي مهنة أخرى كغيرهم، وهي حجج تحمل بعدا قانونيا مفهوما، لكن المشكلة الحقيقية لم تعد قانونية فقط، بل سياسية واجتماعية، فحين يشعر الموظف والطبيب والمعلم والمهندس ان هناك فئات تحظى بمعاملة مختلفة، اياً كانت التفاصيل، تتحول الأزمة تلقائيا الى أزمة ثقة بالنظام الإداري والسياسي كله. الاخطر ان الجدل جاء في توقيت شديد الحساسية، حيث تعيش السلطة واحدة من اعقد ازماتها المالية والسياسية منذ قيامها، بفعل احتجاز الاحتلال لأموال المقاصة وتراجع الدعم الخارجي وارتفاع نسب البطالة والفقر، وفي مثل هذه البيئات تصبح الحساسية تجاه اي تمييز مضاعفة، لان الناس لم تعد تقيس الامور بلغة القانون وحده، بل بلغة العدالة الاجتماعية والقدرة على الصمود. ما يجري اليوم يكشف عن خلل بنيوي اعمق داخل نموذج الحكم، حيث توسعت البيروقراطية العامة دون ان تتطور بموازاتها اسس واضحة للعدالة الوظيفية والشفافية والمحاسبة، فلم يكن مفاجئا ان تمتد الاضرابات من المحاكم الى المستشفيات والجامعات والنقابات المهنية، لان الاحتقان المتراكم كان يبحث عن لحظة انفجار رمزية، وجاء هذا الجدل ليقوم بهذا الدور. المشهد الحالي يحمل اخطارا تتجاوز التعطيل النقابي نفسه، لان استمرار التدهور الاقتصادي مع تراجع الثقة الشعبية قد يدفع نحو حالة تآكل تدريجي في شرعية المؤسسات العامة، خصوصا لدى جيل شاب يواجه انسدادا سياسيا واقتصاديا غير مسبوق، كما ان تعطيل قطاعات الصحة والتعليم والقضاء والخدمات يهدد بتحويل الأزمة المالية الى أزمة حكم حقيقية، في وقت يواصل فيه الاحتلال استنزاف البنية الاقتصادية الفلسطينية وفرض وقائع اكثر قسوة على الارض. ولعل ما ضاعف الغضب الشعبي ان القضية مست مؤسسة يفترض انها تمثل رمزية العدالة، والحل لا يمكن ان يكون عبر البيانات التوضيحية وحدها، بل يحتاج الى مقاربة جديدة تقوم على الشفافية الكاملة في إدارة المال العام، وإعادة بناء الثقة، ووضع خطط لتوزيع أعباء الأزمة بشكل عادل، بعيدا عن منطق الامتيازات والاستثناءات، فاستمرار التفاوت والاحتقان يفتح الباب امام خطر التصدع المجتمعي، وتآكل الثقة بالمؤسسات العامة، وان اخطر ما قد يخسره الشعب الفلسطيني ليس المال فقط، بل ثقته بفكرة العدالة.
بشرى بن فاطمة كاتبة باحثة تونسية مختصة بالفنون البصرية
د. سعيد صبري - مستشار اقتصادي دولي - وعضو مجلس التحول الرقمي الدولي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)