كلما اقترب موعد انتخابات الكنيست ، صعّدت الأحزاب الإسرائيلية من خطابها السياسي، لكن ارتباطاً بما تحقق ما بين دورتين انتخابيتين، من نجاح أو فشل لبرامج تلك الأحزاب، سواء كانت في الحكم، أو في المعارضة، فإن قوتها الانتخابية تبقى متأرجحة، والحالة الإسرائيلية لا تشبه تماماً، التجارب الديموقراطية سواء الأوروبية أو الأميركية، فقد تلاشت منذ عقود الزمن ظاهرة تداول السلطة ما بين أحزاب اليمين واليسار، وعملياً، تولى اليسار الحكم بشكل متواصل أول ثلاثة عقود من قيام إسرائيل، ثم تولى اليمين الحكم بعد ذلك بشكل متواصل، أما الفواصل من مثل تولي اليسار الحكم بفارق صوت واحد عام 1992، فقد كان استثناء أكد القاعدة، كذلك فإن السمة الأهم هي أن الأحزاب الإسرائيلية حين تكون في الحكم تتعزز قاعدتها الانتخابية، نظراً لما تقدمه لجمهورها من خدمات، وفق ميزانية الدولة، لكن مع كل هذا، فإن هناك تأثراً مهما بالظروف الخارجية، سواء كانت تلك المتعلقة بحالة الصراع مع الجانب الفلسطيني، أو المحيط العربي/الإسلامي، وذلك لجهة النجاح أو الفشل سواء في برامج الحرب أو السلم.
الغريب أن الحكومات الإسرائيلية التي قادت «الدولة» على طريق الحرب، كانت تحصل على تجديد الثقة الانتخابية، وهكذا فإن حكومات العمل أو اليسار، بقيت في الحكم، ما بين أعوام 1948 - 1977، لأنها كانت تخوض الحروب مع العرب، طوال تلك الفترة حتى حرب العام 1973، وربما لأنها هزمت في حرب 73، دفعت الثمن بعد أربعة أعوام، وتولى الحكم الليكود اليميني عام 77، ورغم توقيعه اتفاق كامب ديفيد مع مصر، إلا أنه خاض حربه ضد م ت ف عام 82، وظل في الحكم، لكن انتفاضة عام 87 فتحت الباب لإخراجه من الحكم عام 1992، حيث عقد اليسار اتفاقية أوسلو، ولم يذق طعم الحكم من بعدها، بل اضطر لتبكير موعد الانتخابات، ليخسرها ولا يعود للحكم إلا بعد دورة، عقد خلالها اليميني بنيامين نتنياهو اتفاقية الخليل، التي دفع ثمنها بخسارته للانتخابات التالية.
باختصار الناخب الإسرائيلي، أدرك دائماً أن دولته، إنما هي دولة عسكرية، لا يليق بها أن تكون دولة سلام وتعايش، لذا فإن لغة التطرف هي أسهل طريقة أمام الطامحين في إسرائيل للوصول سريعاً إلى مواقع السلطة، خاصة بعد عقود من تحكم اليمين بمراكز الدولة، حقق خلالها التحول الداخلي من اليمين إلى اليمين المتطرف.
ولقد توّج الجنوح اليميني الداخلي الإسرائيلي في خوض أسوأ الحروب من الزاوية الإجرامية وهي حرب الإبادة في غزة ، مع حرب التطهير العرقي في الضفة الغربية، وكانت هذه الحرب ضد فلسطين هي الحلقة المركزية في حرب شاملة، مستمرة منذ ثلاث سنوات، من أجل الانتقال «بدولة إسرائيل» من دولة «ديموقراطية» أقيمت وفق قرار التقسيم، إلى دولة إقليمية عظمى، بل دولة عالمية كبرى، وفي هذه الحرب بالتحديد، ضرب اليمين الحاكم، عرض الحائط بكل ما كانت تضعه إسرائيل ضمن حساباتها من مواقف دولية، لذا هي غامرت، ودفعت الثمن من علاقاتها الدولية، لكنها تواجه صعوبة بالغة على الصعيد الإقليمي في تحقيق هدف «إسرائيل الكبرى» سواء ميدانياً بصمود إيران وحلفائها في الحرب التي شنتها بالاعتماد على القوة الأميركية، أو سياسياً من خلال مواقف معظم دول الشرق الأوسط، العربية والإسلامية.
لذلك فإن اليمين الحاكم، وقد اقترب موعد الاستحقاق الانتخابي، بما لا يزيد على ستة شهور، فإنه بدأ بالدخول عملياً في «البازار الانتخابي»، ولعل استطلاعات الرأي رغم أنها لا تتطابق عادة مع النتائج الانتخابية تماماً، إلا أنها تؤثر على أداء الأحزاب، وعلى تحالفاتها، وعلى برامجها وشعاراتها، وقد لوحظ منذ وقت طويل «استقرار» في تقدير استطلاعات الرأي لحجم المقاعد الحزبية في الكنيست القادم، ورغم أن «التنافس» يجري بين يمين تقليدي متحالف مع يمين متطرف وحريديم، وبين يمين آخر متحالف مع «جنرالات سابقين» وقوى وسطية، وكلاهما يستثني العرب، من موقع عنصري، إلا أنه بالمجمل هناك تفوق للبديل المعارض على الائتلاف الحكومي الحالي، وهناك فقط «استقرار» لقوة الحريديم، بجمهور لا يتأثر بالسياسة الخارجية، سواء المرتبطة بالحرب أو السلم، ولقوة العرب، التي هي أيضاً تعتمد على الجمهور العربي، لكن الملاحظ أن هناك حزبين يتأرجحان بين تجاوز نسبة الحسم، وعدمها وهما حزبا بيني غانتس ، وبتسلئيل سموتريتش، بينما حزب «القوة اليهودية» بزعامة المتطرف إيتمار بن غفير، مع الليكود يحافظان على قوتهما تقريباً.
لعل ما يفسر استمرار بن غفير في الحفاظ على قوته الحزبية هو «تفرغه» لمقارعة الجانب الفلسطيني، وعدم انشغاله بحرب الليكود الإقليمية، بينما سموتريتش يهتم أكثر من بن غفير، بشعار «إسرائيل الكبرى» الذي يدفع بتلك الحرب، وقد تولى ابن غفير مهمة قمع الأسرى بفاشية كبيرة، وبعد أن وصل إلى آخر الشوط على هذا الصعيد بتمرير قرار إعدام الأسرى، الذي يدق مسماراً أخيراً في «نعش الديموقراطية الإسرائيلية»، يعد العدة ليختم مسيرته في هذه الدورة البرلمانية بإلغاء اتفاق أوسلو.
💬 التعليقات (0)