بيدٍ مرتجفة، حمل رجل فلسطيني جثمان قريبه وسار به بين القبور المتلاصقة في مقبرة الشيخ رضوان شمالي قطاع غزة. لم يكن يبحث عن قبر جديد، بل عن مساحة صغيرة داخل لحد قديم دُفن فيه أحد أفراد العائلة قبل أشهر. انحنى بصمت، وأعاد فتح القبر ذاته الذي استُخدم مرارًا، حتى بات يحتفظ بأجساد الأحبة فوق بعضها البعض. في غزة، لم تعد المأساة تتوقف عند الموت، بل امتدت إلى ما بعده. فمع تزايد أعداد الشهداء والوفيات وامتلاء المقابر القديمة، لم يتبقَّ فعليًا سوى مقبرتين رئيسيتين تستقبلان الجثامين، هما مقبرة الشيخ رضوان ومقبرة المعبداني، وسط أزمة خانقة في المساحات المخصصة للدفن.
ويضطر كثير من السكان إلى إعادة فتح القبور القديمة ودفن أكثر من شخص داخل اللحد نفسه، بينما لجأت عائلات أخرى إلى دفن أقاربها في ساحات المنازل والحدائق المؤقتة، بعدما أصبحت المقابر الرسمية عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الضحايا.
ومع ندرة الأراضي ومواد البناء اللازمة لتجهيز القبور، ارتفعت تكاليف الدفن بصورة غير مسبوقة. وتشير شهادات ميدانية وتقارير صحافية إلى أن سعر القبر الواحد بات يتراوح بين 300 و500 دولار، فيما دفعت بعض العائلات ما بين 1300 و2000 شيقل للحصول على مكان للدفن، بعدما كان سعر القبر قبل الحرب لا يتجاوز 300 شيقل.
كما وثقت تقارير حقوقية وإعلامية مطالبة عائلات بدفع مبالغ تراوحت بين 600 وألف شيقل مقابل السماح بدفن ذويهم. وفي ظل هذه الأزمة، أعلنت وزارة الأوقاف في غزة أن الحرب دمّرت أكثر من 40 مقبرة، بينما أدى الحصار ومنع دخول الإسمنت والخشب والأكفان إلى جعل تجهيز القبور عملية شديدة الصعوبة، ما دفع مبادرات خيرية إلى إطلاق حملات لتوفير “قبور مجانية” للعائلات غير القادرة على تحمّل التكاليف. هكذا، تحولت المقابر في غزة إلى سجل مفتوح للحرب؛ قبور تُفتح مرارًا لاستقبال المزيد من الضحايا، وعائلات لا تبحث فقط عن النجاة، بل عن مساحة أخيرة تليق بوداع أحبائها.
💬 التعليقات (0)