تفرض التحولات الكونية الراهنة نحو نظام عالمي جديد على العرب إعادة صياغة هويتهم القومية ورؤيتهم لمصالحهم الاستراتيجية. لقد أفرزت المواجهات العسكرية الأخيرة جملة من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها، وعلى رأسها أن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية الأولى مهما حاول البعض تقليل شأنها أو تقديم أولويات أمنية أخرى عليها.
تستمد القضية الفلسطينية ثقلها من كونها جوهر الصراع مع المشروع الاستعماري الغربي المتمثل في إسرائيل. وتؤكد الوقائع أن الأطماع الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود فلسطين، بل تمتد لتستهدف المحيط العربي الواسع ضمن رؤية توسعية تسعى للسيطرة على مقدرات المنطقة وسيادتها بالكامل.
لقد كشفت الحرب أن الرهان الحصري على الولايات المتحدة لضمان الأمن والاستقرار الإقليمي هو رهان خاسر بامتياز. فرغم وجود تسع عشرة قاعدة عسكرية أمريكية في منطقة الخليج، إلا أنها لم توفر الحماية اللازمة للدول المستضيفة لها حين تصاعدت التوترات العسكرية في المنطقة.
تحولت هذه القواعد العسكرية في كثير من الأحيان إلى عبء أمني على الدول التي استقبلتها، حيث كانت سبباً مباشراً في استهداف بنيتها التحتية. وقد تبين أن القرار الأمريكي بشن الحروب أو الانخراط فيها يصدر لصالح الأجندة الإسرائيلية حصراً، دون اعتبار لمصالح أو مواقف الدول العربية الحليفة.
تشير القراءات السياسية إلى أن الوجود العسكري الأجنبي يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية إسرائيل وإسقاط الهوية العربية الجامعة. وتسعى هذه القوى لتحويل المنطقة إلى كيانات قطرية أو طائفية متناحرة، مما يسهل عملية زعزعة الأمن الاستراتيجي للدول الكبرى في الإقليم.
وفيما يتعلق بالقدرات العسكرية، أنفق العرب مئات المليارات على التسلح دون الحصول على تفوق تقني حقيقي، حيث تفرض القيود الدولية تزويدهم بأجيال متخلفة من السلاح. يمتلك العرب الثروات والعقول، لكنهم يفتقرون حتى الآن للإرادة السياسية لتطوير صناعات عسكرية وطنية مستقلة تعفيهم من الارتهان للخارج.
💬 التعليقات (0)